2 ـ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
لأنَّ من عادة أبناء الرِّيف الكرام أنَّهم كُرماء، وأنَّ أحدًا إذا لم يأكل من عندهم يظنُّون به الظُّنون، لأنَّك إذا أطْعمْتَ إنسانًا، أو أكلتَ عند إنسانٍ صار بينك وبينه كما يقال خبزٌ وملح، وهذا الخبز والملح يمْنَعُ الخِيانة والغَدْر، والقنْص، ما دام أكل عندك، وأكلتَ عنده فبينكما عهْدٌ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله يسأل العبد عن صُحبة ساعة ) ).
[ورد في الأثر]
إذًا: سيّدنا إبراهيم رأى أيْدِيَهم لا تصل إليه، لا يأكلون، هذا الذي لا يأكل عند مُضيفِهِ يَنْوي شرًا، أو يُزْمِعُ أمرًا خطيرًا، قال تعالى:
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}
والعلماء قالوا: من آداب الضِّيافة أن تُسْرعَ في تقديم الطعام، ومن آداب الضَّيْف أن يُسْرع في الإجابة، قال تعالى:
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}
حينما رأَوْهُ خائفًا منهم، وظنَّ بهم الظنون، أوْجسَ في نفسِهِ خيفة، قال تعالى:
{قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}
تطمين الملائكة لإبراهيم:
نحن لسْنا من بني البشر، نحن لا نأكل هذا الطعام، هذا طعام البشر ونحن ملائكة، قال تعالى:
{إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}
لا تخف إن أرسلنا إلى قوم لوط، وقال بعض العلماء: لماذا لم يُخْبروه منذ أن دخلوا أنَّهم ملائكة، كيف يبْدو كرمهُ عليه الصلاة والسلام؟ لو أنَّه علِمَ أنَّهم ملائكة لا يظهر هذا الكرم الذي ينْطوي عليه، لكنَّهم أخَّروا تعريفهم بأنفسهم إلى أنْ بدَا كرمُهُ الشَّديد وحِرْصهُ على إطعام الضَّيف، وفي بعض الأحاديث الشريفة أنَّ الضيف يأتي برِزْقه، ويرْتَحِلُ بِذُنوب القوم! قال تعالى: