أي جعلكم تعمرونها، ألْقِ نظرةً على مدينة ترى فيها بنيانًا، وفيها طرقات وفيها جُسور، وفيها معامل وفيها مدارس، وفيها جامعات وفيها دوائر حكوميّة، وفيها أنظمة، وفيها مستودعات وفيها وقود، وفيها أغذية، وفيها ملبوسات، استعمركم فيها، هؤلاء الذين قالوا: الإنسان أصلهُ قِرْد، اُنظر إلى مجتمع القِردَة هل تطوَّر مجتمعهم من وضع إلى وضع عبر آلاف السنين؟ القرد هو القرد، أما الإنسان فتطوَّر في أسلوب حياته ومعاشه فقط، قال تعالى:
{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}
وعلى سبيل المثال: ركب الطائرة، و وصل إلى القمر، و غاص في أعماق البحار، ووصل إلى قيعان البحار، و تعرّف إلى بني جنسه في كل مكان، إلى المخلوقات، وعرف الحيوانات و النباتات، و بيَّن ووصف، و ألَّف ودرَّس، قال تعالى:
{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}
فكلمة الاستعمار هنا لها معنى لغوي، وبالمناسبة الكلمات قد يكون لها معنى لغوي في الأصل، وقد تكتسب مع الأيام معنى هامشيًّا، فالاستعمار بمعناها الهامشي؛ أن تأتي قوةٌ غاشمة تحتلُّ أرضًا لتأخذ خيراتها، و تقهر أبناءها، هذا المعنى الهامشي الذي أصاب هذه الكلمة، ولكنَّ الاستعمار بالمعنى القرآني هو إعمارُ الأرض، قال تعالى
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}
انظُر إلى البيت، له أساسات وهندسة، هناك هندسة تصميم، وهندسة تنفيذ، وهندسة مدنية، وهندسة جمالية، وهناك بلاط وملاط، وطلاء و مواسير ماء، و تمديدات كهربائية، و تزيينات وأساس، وهذا كلُّه بفضل الله سبحانه وتعالى، هو الذي أعطى الإنسان هذه المواهب، و جعله يحتاج إلى ملايين الأشياء، وجعله يتقن صنعة أو أكثر، ويحتاج لأخيه الإنسان في صنعة أخرى، هكذا طبيعة الحياة.
2 ـ لا يستطيع الإنسان أن يحيا وحده على الأرض: