هناك معنى آخر لهذه الآية، هنا حمَّلناها معنى التَّفسير، أي هذا الكتاب مُلَخَّصَه، ومضمونه، وفَحواه، ألاّ تعبدوا إلا الله، هناك تفسير آخر، وهو أنَّ عبادته هي مفْعولٌ لأجله، أيْ أنَّ هذا الكتاب فُصِّل وأُحْكِمَ وبُيِّن مِن أجل أن تعبُدَهُ، فإذا عبَدْتَهُ فقد قرأتَ هذا الكتاب، وإذا لم تعْبُدْهُ فإنَّك قد جَهِلْتَ مَضْمونه، ولو ردَّدْتَهُ بِلسانِكَ، قال تعالى:
{وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}
1 ـ معنى الاستغفار:
الاسْتِغفار هو الأصل، وهو طلبُ المغفرة، والمغفرة هي الشِّفاء من الذُّنوب، والإنسان بين حالتين؛ إن كان في إقبال على الله عز وجل فنَفسُهُ طاهِرَةٌ مُطَهَّرة، لأنَّ إقباله على الله يشْفي نفْسَهُ، قال تعالى:
{إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) }
(سورة العنكبوت)
قطعةُ حديدٍ باردة جدًّا ضَعها في الشَّمس، بعد ساعة تجدها فقَدَتْ شيئًا، واكْتَسَبتْ شيئًا، فقَدَت البرودة، واكْتسَبَت الحرارة، وكلّ نفْسٍ تُقْبِلُ على الله عز وجل إقْبالًا صحيحًا فلا بدّ مِن أن تَفْقد شيئًا، وإنّ الأدْرانَ والكِبْرَ والأنانيَّةَ، وحُبّ الذات، والاسْتِعلاء والحِقْد، والضَّغينة والحسَد والنَّميمة هذه صِفات ذميمة، وهي أَعْراضُ الإعراض! ليْسَت أمراضًا، ولكنَّها أعراضٌ لِمَرضٍ واحد، وهو الإعراض، فأنت إذا أقْبَلْت تحلَّيْت بالكمال، وإذا أعْرضْت بَدَتْ منك هذه العُيوب.