الأخلاق، والمبادئ، والقيم، إن كانت في بطون الكتب لا يتأثر بها، يتأثر بها إذا رأى إنسانًا أمامه يتمثل به، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، الذي يؤثر في الناس أن يروا الآن مسلمًا صادقًا، مسلمًا أمينًا، مسلمًا مخلصًا، مسلمًا ورعًا، هذه القيم الأخلاقية ينبغي أن تكون متمثلة في إنسان، تراه بعينيك، ترى خطواته، ترى أخلاقه، ترى عطاءه، ترى ورعه، ترى حلمه، ترى رحمته، ترى قربه من الله، فلذلك المبادئ والقيم إذا أُخذت من بطون الكتب تنتهي إلى الكتب، أما إذا أُخذت من واقع الحياة فتؤثر في الحياة.
لذلك النبي الواحد أهدى للبشرية شيئًا أفضل من آلاف الكتّاب، لماذا؟ لأن الناس رأوا فيه صدقًا، ما رأوا مسافة بين أقواله وأفعاله، ما رأوا تناقضًا بين واقعه وبين مآله.
لذلك أيها الأخوة، قضية القدوة شيء مهم جدًا، والشيء بالشيء يذكر، إن أردت أن تكون داعية ينبغي أن تكون قدوة قبل أن تنطق، القدوة قبل الدعوة، إن أردت أن تكون داعية ينبغي أن تكون محسنًا، ينبغي أن تفتح قلوب من حولك بإحسانك ليفتحوا لك عقلهم لبيانك، افتح قلبهم بإحسانك فيفتحوا لك عقلهم لبيانك.
أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} كأن النبي الكريم ذهب إلى الجهاد، وفي المدينة من تخلف عنه، هناك من تخلف عنه لضعفه، أو لمرضه، أو لفقره، أو لأنه لم يجد ما يحمل نفسه عليه، هؤلاء ليسوا معنيين بهذه الآية، لكن الأقوياء والأغنياء الذين تخلفوا عنه هم من تعينهم هذه الآية، لذلك دقة القرآن عجيبة قال: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} لم يقل إليهم، قال: {إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} إلى هؤلاء الأقوياء، إلى هؤلاء الأغنياء الذين تخلفوا عنه وخالفوا منهجه، ولم يبذلوا، الحقيقة المؤمن ما لم يبذل من وقته، من ماله، من جاهه، من صحته، من أي شيء يملكه، لن يصل إلى الله عز وجل.