بنود تفنيد قصة هاروت وماروت عند الإمام الرازي:
الإمام الرازي رحمه الله تعالى فنَّد هذه القصَّة الباطلة، التي لا تستقيم من وجوهٍ كثيرة فقال:
ذكروا في القصَّة أن الله جلَّ جلاله قال لهما ـ لهاروت وماروت ـ: لو ابتليتكما بما ابتليت به بنو آدم لعصيتماني. فقالا: لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك، وهذا منهم تكذيبٌ لله تعالى وتجهيلٌ له، وهذا من صريح الكفر، هذا أول بند.
ثانيًا: أنهما خُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد، بل كان الأَولى أن يُخيَّرا بين التوبة وبين العذاب.
ثالثًا: إنهما يعلِّمان الناس السحر في حال كونهما معذَّبين في بئر في بابل، ويدعوان إليه، وهما يعاقبان، هذا شيء غير مقبول عقليًا.
رابعًا: أن السحر لو كان نازلٌ عليهما لكان مُنَزِّله هو الله، وهذا غير جائز في حق الله عزَّ وجل لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله تعالى إنزال ذلك:
{وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102) }
يدلُّ على أن تعليم السحر كفر، فهل يعقل أن الله يعلمهما السحر كي يعلِّمانه للناس؟ فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر وهذا باطل، ثم إنه لا يجوز في الأنبياء أن يُبعثوا لتعليم السحر، فكذلك في الملائكة من باب أولى. مستحيل لملك أن يعلِّم السحر، من سحر فقد كفر، ثم إن السحر لا يضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة فكيف يضاف إلى الله تعالى وينهى عنه، ويتوعَّد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموَّه، وقد جرت عادة الله إبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام:
{مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ}
(سورة يونس الآية: 81)
إذًا عندنا قصَّة مكتوبة في التلمود باطلة لا أصل لها، افتراء من اليهود على الله عزَّ وجل، فجاء القرآن الكريم ونفى هذه القصَّة من أصلها، نفاها بحرفٍ واحد فقال:
{وَمَا أُنْزِلَ (102) }