لذلك العبادة طاعة، طاعة فيما أمر، واجتناب لما نهى عنه وزجر، ولكن هناك شيء آخر، العبادة طابعها أن تمتنع عن كل ما نهاك الله عنه، ولكن الإنسان خُلق للجنة، والجنة لها ثمن، ما ثمن الجنة؟ العمل الصالح، جاء الله بنا إلى الدنيا من أجل أن نعرفه أولًا، وأن نتقرب إليه ثانيًا بالعمل الصالح، فكأن علة وجودنا بعد الإيمان بالله العمل الصالح.
ولو وضحت هذا بمثل أن أباًَ أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه، مدينة عملاقة كبيرة، فيها معامل، فيها حدائق، فيها متاحف، فيها ملاه، فيها دور لهو، فيها كل شيء لكن هذا الطالب الذي أرسله أبوه لينال الدكتوراه من السوربون، علة وجوده الوحيدة في هذه المدينة أن ينال الشهادة.
فلذلك الإنسان حينما يعلم علة وجوده تصح حركته، أوضح مثل: إنسان سافر إلى بلد معين وسأل: إلى أين أذهب؟ نحن نعجب من سؤاله، نقول له: لماذا جئت إلى هنا؟ إن جئت طالب علم فاذهب إلى الجامعات، وإن جئت سائحًا فاذهب إلى المتنزهات، وإن جئت تاجرًا فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، فالحركة في أي مكان لا تصح إلا عرف سبب المجيء، فأحد أكبر علائم الإيمان، أحد أكبر مرتكزات الإيمان، أحد أكبر الخصائص الإيمانية أن تعرف سرّ وجودك في الأرض، أنت في الأرض من أجل أن تعبد الله، إما أن تكتشف هذا بالبحث، والدرس، والتأمل، أو أن تعرفه من النص، كما قال الله عز وجل:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[سورة الذاريات]
فكأن العبادة معرفة أولًا، وطاعة ثانيًا، معرفة وطاعة، فأنت لن تخضع لجهة لا تعرفها، لابد من أن تعرف الله.
والإمام علي رضي الله عنه يقول:"أصل الدين معرفة الله".