أولًا: آخر سورة نزلت في القرآن الكريم، من خصوصيات هذه السورة أنها تتضمن إنهاء العهود التي كانت قائمة بين المسلمين والمشركين حتى ذلك الحين، سواء أكانت هذه العهود قد انتهت بعد أربعة أشهر لمن كانت عهودهم مطلقة، أو الناكثين لوعودهم، أو كان بعد انتهاء الأجل لمن كانت لهم عهود مقيدة ولم ينقص المسلمين شيئًا، ولم يظاهروا عليهم أحدًا، فعلى الجملة، النتيجة من هذه السورة إنهاء العهود والعقود مع المشركين كافة في الجزيرة العربية، وإنهاء مبدأ التعاقد أصلًا، هناك تطور جذري، تطور نوعي في علاقة المسلمين مع الآخرين من خلال هذه السورة، مع العقود المبرمة سُمح للمشركين بالطواف في المسجد الحرام، أو عمارته في صورة من الصور، لكن هذا الشيء انتهى، لم يسمح لهم لا بالطواف، ولا بالسعي، ولا بأي منسك من مناسك الحج عندهم.
أيها الأخوة، المغزى العميق من هذه الأحكام النوعية في هذه السورة أن هناك مرحلة عاشها المسلمون في مكة، وهذه المرحلة تقتضي التفاهم، التعاهد، التعاقد، لكن بعد أن أعزّ الله دينه ونصر نبيه، هناك مرحلة أخرى تنبؤنا هذه السورة عن خصائصها.
النقطة الدقيقة: إن الذي يراجع أحداث السيرة النبوية، ويراجع وقائعها، يرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج السياسي الإسلامي، ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته، ومراحله، وأهدافه، أي الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المسلمين في الجزيرة العربية، وغير المسلمين قد جاء موعدها، ومُهد لها، وتهيأت لها الأحوال، وأصبحت هذه الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم.
كان هناك مصالح تقتضيها حالة المسلمين، ومصالح تقتضيها وضع المسلمين قبل فتح مكة، لكن بعد فتح مكة هناك مستجدات لا بد من أن تراعى.
أيها الأخوة، لا بد من تمهيد لمعرفة الطرف الآخر.