فلما كان الظهر، جاء الحجاج فناشد العباس أن يكتم عنه ثلاثة أيام، وقال: إني أخشى الطلب، فإذا مضت ثلاثة فأظهر أمرك، أكتم خبري عنهم ثلاثة أيام حتى أسافر، فإذا مضت ثلاثة فأظهر أمرك، وطالت على العباس تلك الأيام كأنها سنوات، وبعد مضي هذه الأيام عمد العباس رضي الله عنه إلى حلة فلبسها، وتخلق بخلوق وتعطر، وأخذ بيده قضيبًا، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون لمن مرّ بهم: لا يصيبك إلا الخير يا أبا الفضل، عرفوا أن الخبر مؤلم جدًا، هو يتحمله، هذا والله التجلد بعد المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله عز وجل على يد رسوله، وجرت فيها سهام الله، وسهام رسوله، وتزوج رسول الله صفية بنت ملكهم، وإنما قال لكم ذلك ليأخذ أمواله منكم، وإلا فهو ممن أسلم، فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، فقال المشركون: ألا يا عباد الله انفلت عدو الله ـ يعنون حجاجًاـ أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم يلبسوا أن جاءهم الخبر الآخر أن النبي انتصر على أهل خيبر وتزوج صفية بنت ملكهم، والأمر على عكس ما يكون.
معنى ذلك نريد أن نقول لكم: العباس كان مسلمًا، لذلك قال النبي الكريم: لا تقتلوا عمي العباس، لأن أي كلام آخر يفشل الخطة، فأنت بحاجة إلى حسن ظن بالله عز وجل.
فلذلك أيها الأخوة، هذه الآية سوف نوسعها في درس قادم:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
والحمد لله رب العالمين