أنت أحيانًا موظف في شركة، نُحِّيَ المدير العام السابق عن عمله وجاء مدير جديد، أنت تسأل: من هو؟ فلان، ما ثقافته؟ ما أخلاقه؟ ما طبيعته؟ ما طباعه؟ بعد أن عرفت شيئًا عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي؛ سلوك طبيعي جدًا أن تعرف الآمر أولًا، ثم الأمر ثانيًا؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل، وقيمة الأمر من قيمة الآمر، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر؛ القضية دقيقة جدًا، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها؛ ماذا عند الله لو أطعته؟ وماذا عنده لو عصيته؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي.
بالكون تعرف الله وبالشرع تعبده:
هذا درس بليغ لنا، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي أي بالثلث الأخير ثم بالثلث الثاني، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الأخوة المؤمنين.
الآن يأتي التشريع تاجًا يتوَّج به المؤمن؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه تبحث عما يرضيه، لذلك بالكون تعرفه وبالشرع تعبده؛ هذان الخطَّان في عهد النبي؛ الخط الأول: التعريف بالآمر، والثاني: التعريف بالأمر؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معًا، لذلك لا بد من درسٍ تعرف الله فيه، التفكُّر في خلق السماوات والأرض هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل، ويشرب، ويتزوج، وينام، ويستيقظ، ويتأمَّل، وينظر، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض، من أجل أن تزيد معرفتك بالله، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيمًا: