فاقترح آخر بأن يدفع بناقته إلى خارج هذه البلاد كلها، ويستراح منه، فقال قائل آخر: لعل ينقل هذه الرسالة إلى قوم آخرين، فيأتون بعد حين فيحاربونكم، لكن أحدهم وهو أخبثهم اقترح أن يؤخذ من كل قبيلة فتىً، ومعه سيف، فيشتركون جميعًا في قتل النبي عليه الصلاة والسلام حتى تضيع دماءه بين كل القبائل، وعندئذٍ ينتهي هذا الإنسان الذي أقلق عليهم مصالحهم في قريش، هذا الرأي كان هو المعتمد، واعتمدوه كرأي صائب، أن توزع دماؤه بين كل القبائل فإن طلبوا دية دفعوها جميعًا واستراحوا منه.
إخبار الله عز وجل نبيه بما تآمر عليه أهل قريش:
أيها الأخوة، ورد في السيرة بشكل خاص أن الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه بما تآمر عليه أهل قريش، فالقصة معروفة أمسك قبضة من تراب، ورماها بهؤلاء الذين يحرسون بيته تمهيدًا لقتله، فشاهد وجوههم، وخرج إلى بيت أبي بكر، ومن بيت أبي بكر إلى غار ثور الذي حصل أنه أبقى ابن عمه وقد أمره أن يرتدي برده ـ ثوبه ـ وأن يسجى على سريره، هم توهموا أن النبي في البيت، تابعوا حراسته تمهيدًا لقتله، فلما دخلوا عليه ليقتلوه وجدوا عليًا مكانه، أين محمد؟ قال: لا أدري، سيدنا محمد كان قد ذهب إلى بيت أبي بكر، ومن بيت أبي بكر إلى غار ثور، تتبعوا الأثر وصلوا إلى غار ثور، رأوا العنكبوت في مدخل هذا الغار فقال قائلهم: مستحيل أن يكون في داخل هذا الغار، وخيوط العنكبوت قديمة! فانصرفوا، وتابع النبي هجرته إلى المدينة المنورة، قال تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا}
المكر تدبير من ضعيف، تدبير محكم، تدبير غير معلن، تدبير سري.
المكر الذي نُسب إلى الذات العلية ليس مكرًا لكنه مكر مشاكلة يرد الله به على كيد الآخرين:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ}
ليجمد في غرفة، ويقيد، ويلقى إليه طعامه وشرابه إلى أن يموت، أو بضربة من سيوف عدة يضيع الدم فيها من كل القبائل.