(سورة الإسراء الآية: 44)
فعدا الإنسان، وعدا الجن، هذان الصنفان من المخلوقات قبِلا حمل الأمانة، فلما قبِلا حمل الأمانة منحوا حرية الاختيار، وسخر الكون لهم، ومنحوا العقل، والفطرة والشهوة، والقوة، بمشيئة الله.
الآن علاقتنا في هذه الآية لا مع المخلوقات، المخلوقات جميعًا أشفقوا من حمل الأمانة، واعتذروا عن حملها، وخافوا منها وأرادوا الطريق السالم، ليسوا مكلفين، وليسوا محاسبين، أما الإنسان فقبِل حمل الأمانة، وهي نفسه التي بين جنبيه، قال تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
(سورة الشمس)
أي أن الذي جعل الله نفسه بين يديه أمانة إما أن يفي بعهده، وأن يؤدي الأمانة، وأن يعرف نفسه بربها، وأن يعرف نفسه بمنهج ربها، وأن يعرف نفسه بما عند الله عز وجل من ثواب أو عقاب فتزكو نفسه، وتستأهل دخول الجنة إلى الأبد.
من أين درسنا يبدأ؟ من أن هذين الصنفين، ولنَدَع الجن موقتًا، من أن هذا الإنسان الذي تنطح لحمل الأمانة، وقال: يا رب أنا لها، ومنحه الله مقومات التكليف، منحه الكون، بل سخر له الكون تسخير تعريف وتكريم، منحه العقل، منحه الفطرة، منحه الشهوة، منحه الاختيار، منحه التشريع، هذه مقومات التكليف.
الآن يمكن أن يعامل على طريقتين، منحه كل شيء، أعطاه كل شيء، والطريقة الأولى أن يدعه لنفسه، وفي الأعم الأغلب، هذا الطريق ليس فيه تربية، ليس فيه معالجة، في الأعم الأغلب ينتهي معظم الخلائق إلى نار جهنم، لأنهم آثروا الشهوة على الأمانة.
العاقل يتعامل مع الأمور قبل وقوعها