{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}
الآية السابقة جاءت لتعزز مكانة هؤلاء الذين استصغرهم زعماء قريش:
طبعًا النبي عليه الصلاة والسلام معصوم في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، لكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة تُرِك له هامشٌ ضيق جدًا للاجتهاد، فإن أصاب أقرّه الوحي على ذلك، وهذا الاجتهاد يمكن أن يكون وسام شرف له، فرق كبير بين أن تجلس مع من يحبك ومع من يؤمن بك، وبين أن تجلس مع خصم لدود وقح، لا يعبأ بك، ولا برسالتك، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام اختار الأصعب، اختار الأصعب طمعًا في هداية الخلق، فاجتهاده وسام شرف له، وإذا عتب الله عليه عتب له ولم يعتب عليه، وفرق كبير بين أن يعتب الله له وأن يعتب عليه، لكن الوحي وحي السماء هو الحق المطلق، فالله عز وجل نهاه عن أن يجعل لزعماء قريش يومًا ولهؤلاء الفقراء الضعفاء يومًا، فقال:
{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}
لكن في هذه الآية التي بين أيدينا يقول الله عز وجل: هؤلاء الضعاف، هؤلاء الفقراء، هؤلاء الذين يبتغون وجه الله، لعل قلامة ظفرهم تساوي آلافًا مؤلفة من الأقوياء الأغنياء، جاءت الآية لتعزز مكانة هؤلاء الذين استصغرهم زعماء قريش، قال:
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا}
بآياتنا الكونية، بآياتنا القرآنية، بآياتنا التكوينية، هؤلاء الذين أرادوا أن يعرفوا الله، هؤلاء الذين أرادوا أن يصلوا إلى الله، هؤلاء الذين ابتغوا وجه الله، هؤلاء الذين آمنوا بآيات الله، آمنوا بعظمته، آمنوا بعدله، آمنوا برحمته، ابتغوا رضوانه، هدفهم طاعته، هدفهم نيل رضوانه، قال: