يجب أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الشيء الذي يزعجنا هو نعمة باطنة، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، لو دخلت إلى مسجد، ورأيت فيه آلاف مؤلفة يجب أن تعلم أن كل الحاضرين خضعوا إلى عناية إلهية مشددة، وساق لبعضهم من الشدائد ما حملهم على التوبة.
إذًا هذه نعمة كبرى، أن الله سبحانه وتعالى الله سلمنا للدار الآخرة، فهذا الذي يتأفف من الشدة، الشدة عين الرحمة، الدليل:
{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) }
تقتضي رحمته الواسعة أن
{َلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}
الذين شردوا على الله شرود البعير، إذًا أنت حينما تصيبك شدة اعلم علم اليقين أنها رحمة لكنها رحمة باطنة، وليست رحمة ظاهرة، مادامت الشدة قد ساقتك إلى باب الله، وإلى باب التوبة، وإلى أن تستقيم على أمر الله فهي نعمة باطنة.
الآن الأب الذي يتشدد مع أولاده فيكونون رجال مستقبل كبارًا، يحمدون له شدته حينما يكبرون، والأب الذي يتساهل مع أولاده فيكبرون بلا علم، ولا حرفة، ولا مال، ولا كسب يحقدون على أبيهم الذي تساهل معهم، فالشدة رحمة.
علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن ينبغي أن يحمد الله على كل حال، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر، فليس هذا لغير المؤمن، المؤمن يدرك أن يد الله تعمل وحدها، وأن يد الله فوق أيدي هؤلاء الذين ترونهم بأم أعينكم، في الأرض طغيان، وفساد، وقهر، وظلم، هذا كله شيء ظاهر في الحقيقة:
{مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) }
(سورة الكهف)