{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}
هناك بحث دقيق جدًا، ليس عند الله يمين وشمال، بل كلتا يديه يمين، اليمين رمز العطاء، ورمز السخاء، ورمز الخير، له يدان وكلتا يديه اليمين فلماذا قال في موقف:
{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}
وقال في آية ثانية:
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}
أيها الأخوة، في هذه الآية ملمح رائع جدًا، الله عز وجل عطاؤه عطاء، ومنعه عطاء، يعطي بيد نعمة، ويعطي باليد نعمة المنع، وقد يكون المنع عين العطاء، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، لكن عطاء الإيجاب ظاهر، وعطاء السلب باطن، عطاء الإيجاب واضح، قد يعطي الله الإنسان مالًا، قد يعطيه وسامة، قد يعطيه ذكاء، قد يعطيه منصبًا رفيعًا، قد يعطيه زوجةً صالحة، هذا عطاء ظاهر، قد يبتليه بمرض هذا عطاء باطن، قد يبتليه بفقر، هذا عطاء باطن.
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}
[سورة الشورى: 27]
إذًا يمنعك وهو يعطيك، ويعطيك وهو يمنعك، لذلك تجد في بلاد كثيرة فيها رخاء لا يوصف، وفيها ترف لا يوصف، مشكلاتهم تكاد لا تكون، لكن أكبر مشكلة عندهم أنهم بهذا الرخاء وهذا الترف أعرضوا عن الله عز وجل، متصحرون، جفاة، قلوبهم ميتة، هل هذا عطاء؟ اذهب إلى أي مكان تر الناس في بحبوحة، في غنى، وفي ترف، وهمهم سباق السيارات، وسباق الخيل، هل هناك قرب من الله عز وجل؟
إذا كشف الله لنا حكمة المنع عاد المنع عين العطاء:
أيها الأخوة، ربما منعك فأعطاك، وقد تكون الشدة في بلد هي أكبر دافع إلى الله عز وجل، لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان، أنا لا أقول: أن نرضى بواقع سيء، لا بد أن نحسن واقعنا، ولكن أحيانًا لا تستطيع أن تحسن واقعك، لأن هناك حكمة بالغة.
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
[سورة البقرة: 216]