وقع أحدهم في حفرة، وجدران هذه الحفرة ملساء، موته محقق، فإذا أدليت له بحبل فتمسك به وأنقذته من هذه الورطة الإنسان معنى ذلك أنه اعتصم بهذا الحبل، أي اعتصم بشيء ينقذه. إنسان كاد يغرق، أرسل له شيء يعينه على أن ينجو من الغرق، هذا اعتصام، فأصل تعبير الاعتصام أن تتعلق بشيء، أن تتمسك بشيء ينجيك من بلاء كبير، فهذا المؤمن فضلًا عن أنه آمن بالله اعتصم به، أي أن الله عز وجل نجاه من الشقاء، نجاه من الشقاء النفسي، نجاه من حياة لا معنى لها، نجاه من ضيق، نجاه من كرب، نجاه من سوداوية، نجاه من إحباط، اعتصموا به لأنهم طبقوا تعليمات الصانع، إذًا نجاهم الله بهذا.
{فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ}
الرحمة مطلق عطاء الله عز وجل، مطلق عطاء الله رحمته، فالصحة من الرحمة، وراحة الله من الرحمة، طمأنينة النفس من الرحمة، والتوفيق في الحياة من الرحمة، والبيت السعيد من الرحمة، والأولاد الأبرار من الرحمة، والسكينة التي تلقى على قلب المؤمن من الرحمة:
{فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ}
سلعة الله غالية ومن السذاجة بمكان أن نطلبها بعمل يسير:
إنسان يكون ضيفًا على مضيف من أعلى مستوى، تجد الإكرام فنونًا، الاستقبال، والغرفة، والطعام، والمقبلات، والعصير، والفواكه، والحلويات، والقهوة، والشاي، والترحيب والتكريم، والمجلس المريح، ألوان ملونة، وأنواع منوعة من الإكرام، هذا للتقريب، كلمة فلان في رحمة الله أي في حفظه، في تأييده، في توفيقه، في إسعاده، أي ملأ قلبه غنى، أي ألقى الأمن في قلبه، وأنزل السكينة على قلبه، ويسير شؤونه في كسب رزقه، في إنفاق ماله، في علاقاته الإيجابية، رحمة الله واسعة جدًا، إذا منحك الله رحمته سعدت بها ولو فقدت كل شيء، وإذا حجب عنك رحمته شقيت بحجب هذه الرحمة ولو ملكت كل شيء:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ}