{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) }
أي أن الله عزَّ وجل خلق الخلق في عالم الذَر، وعالم الذَر قبل عالم الصوَر، لم يكن هناك صور للمخلوقات، مجرَّد مخلوق، هذا المخلوق صار جبلًا، هذا المخلوق صار زهرةً، هذا المخلوق صار حصانًا، هذا المخلوق صار أَفعى، هذا المخلوق صار إنسانًا، خلق الخلق في عالم الذَرْ، وعرض عليهم الأمانة:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ (72) }
(سورة الأحزاب: آية"72")
الأمانة أن يَمْلِكوا أنفسهم ويزَكُّوها، فإن زكوها استحقوا نعيمًا أبديًا لا حدود له.
قَبِلَ الإنسان حمل الأمانة فصار المخلوق الأول:
قال تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) }
أي عرضنا على إنسان أن يقود قطارًا براتب محدود جدًا، وعرضنا عليه أن يقود سيارة كبيرة لنقل الركاب براتب أعلى، لأن القطار ليس عنده أخطار، ولا حوادث، فهناك سكةٌ يمشي عليها، وعرضنا على إنسان أن يكون طيارًا، هو يحتاج إلى علم عالٍ جدًا ويحتاج إلى خبرة عالية جدًا، وإلى صفات نفسية عالية جدًا، وليس له راتب، معه شيك مفتوح مثلًا، هناك وظيفة محدودة المسؤولية سهلة العمل لكن دخلها محدود، ووظيفة أعلى، ووظيفة أعلى، فربنا عزَّ وجل عرض عرضًا مغريًا جدًا، عرض على المخلوقات أن يحملوا أمانة أنفسهم فيزَكّوها، ومعنى يزكوها أي أن هناك نوازع، وشهواتٍ، وأهواءً، وحرية اختيار، وعقلًا، وفطرة، وكَوْنًا، ومنهجًا، ورُسُلًا، القضية معقدة.