أيها الأخوة، إذا قصر الإنسان في الجهاد، في بذل روحه في سبيل الله فكيف إذا قصر في الطاعات، هو في بيته آمن، مطمئن، في البيت خمسون معصية، ومعاصي بالبنات، ومعاصي بالزوجة، ومعاصي بالأولاد، ومعاصي بالبيع والشراء، ونحن مسلمون، نحن من أمة محمد، وأمة محمد مرحومة، مثلًا، ما هذا الكلام؟ هذا كلام غير مقبول، إذا كان الصحابي الجليل تخلف عن أن يبذل روحه في سبيل الله قوطع خمسين يومًا من قبل النبي وأصحابه، فكيف بهؤلاء المسلمين المقصرين، إذا كان بعض الأصحاب عينه النبي قائدًا ثالثًا في معركة مؤتة، وهو عبد الله بن رواحة، فلما جاء دوره في القيادة طبعًا تسلم القيادة زيد، فأمسك الراية بيمينه، وقاتل بها حتى قتل، ثم تسلم الراية جعفر بن أبي طالب، فقاتل بها حتى قتل، فجاء دور عبد الله بن رواحة، وكان شاعرًا، تردد عشر ثوان، قال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن توليتِ فقد شقيتِ
عشر ثوان، وإن توليتِ فقد شقيتِ، أو خمس عشرة ثانية، قال عليه الصلاة والسلام: أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإني لأراه في الجنة يطير بجناحين، لأن العدو قطع كلتا يديه، ثم سكت النبي، سكت خمس عشرة ثانية، بمقدار تردد عبد الله، فقالوا: يا رسول الله ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازورارًا عن صاحبيه، نحن ترددنا لبذل نفسنا؟ مترددين في طاعة الله عز وجل، مترددين في كسب المال، يقول لك: لا تدقق، الدنيا كلها غلط، عندي أولاد مثلًا، مترددين بالسماح أن نمارس بعض الشهوات التي لا ترضي الله عز وجل، فوضع المسلمين في حال يرثى له، إذا أردت أن تقول: لماذا تخلى الله عنا؟ هناك ألف سبب وسبب لتخلي الله عنا.