التدبر شيء، والفهم شيء، والتلاوة شيء، والعمل به شيء، فالقرآن منهج الله ينبغي أن تتلوه تلاوةً صحيحة، وينبغي أن تتلوه إن كان مجودًا، أن تعطي الحروف مخارجها، والمواقف أحكامها، وفضلًا عن تلاوته تلاوةً صحيحة، ثم تلاوته مجودًا وفق أحكام التجويد ينبغي أن تفهمه، وفضلًا عن فهمه ينبغي أن تتدبره، والتدبر أن تسأل نفسك دائمًا: أين أنا من هذه الآية؟ يقول الله عز وجل:
{كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
[سورة الذاريات: 17 - 18]
أين أنت من هذه الآية؟ الله عز وجل يقول:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}
[سورة النور: 30]
أين أنت من هذه الآية؟ الله عز وجل يقول:
{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}
[سورة البقرة: 83]
أين أنت من هذه الآية، والله عز وجل يقول:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[سورة آل عمران: 134]
أين أنت من هذه الآية؟ التدبر أن تحاول أن تعلم ماذا انتفعت من هذا الكتاب، وما الذي قصرت فيه، أن تعرض نفسك على كتاب الله.
لو كان هذا الكتاب من عند غير الله لاختلف الوعد عن الواقع:
قال تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}
[سورة محمد: 24]
لو قال لك أحد من الناس: على كتفك عقرب شائنة، فابتسمت وشكرته على هذه الملاحظة اللطيفة، وبقيت هادئًا معنى ذلك أنك لم تتدبر كلامه إطلاقًا، على كتفك عقرب شائنة، ولدغة العقرب قاتلة، وقال: على كتفك عقرب، وتبقى واقفًا، وتبقى هادئًا، وتبقى مبتسمًا، وتجامله، وتقول: شكرًا لك على هذه الملاحظة، لو تدبرت معنى ما قال لقفزت من توّك، ونفضت ثوبك، التدبر أن تضع نفسك على مقاييس القرآن، أن تسأل نفسك: أين أنا من هذا الذي أقرأه؟