أما حينما يعصي الإنسان ربه فيتفلَّت، يطلق بصره، يتوسَّع في المعصية، يقبل السلوك اليومي المعاصر، يقبل السلوك الإباحي ويستسيغه، فهو يحتاج الآن إما إلى توبةٍ نصوح يستعيد بها توازنه، أما إن كان مصرًا على هذه الشهوة فيحتاج إلى عقيدة زائغة تغطي انحرافه، هو يتوهَّم أنه يفعل الشيء الصحيح، لذلك تجد الإنسان المبتلى بشرب الخمر مُصِرًا على أن الله لم يحرِّم الخمر، يقولون: نصحنا أن نجتنبه، ولكن اذكر لي آية تنص على شرب الخمر، هذا كلام مريح له جدًا، لأنه مدمن خمر، فإذا اعتقد أن الخمرة حرام اختل توازنه، انكشف، أما حينما يعتقد أن الخمر رجس فاجتنبوه، وهذا أسلوب صريح بالتحريم، فيقلع عنها راضيًا عندئذٍ، ويصغي بقلبه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) }
(سورة المائدة)
على الإنسان أن يترك بينه و بين المعصية هامش أمان:
مع أن كلمة اجتناب فيها أشد نوع من أنواع التحريم، فمثلًا تيار ثمانية آلاف فولت، أردنا أن ننصح الناس بالابتعاد عنه، هذا التيار له مساحة جذب تقدر بثمانية أمتار، إذا دخل الإنسان هذا الحرم يجذبه هذا التيار ويجعله فحمًا أسودًا، فلو أن وزير الكهرباء أراد أن يضع إعلانًا تحذيريًا فهل يقول:"ممنوع مس التيار"، أم يقول:"ممنوع الاقتراب منه"؟ يقول:"يمنع الاقتراب منه"، إذا كان ضمن مسافة ثمانية أمتار أصبح فحمًا، فهذا الإعلان التحذيري لا يأمر بعدم المس ولكنه يأمر بعدم الاقتراب، وكذلك لا بدَّ من أن تدع بينك وبين هذا التيار هامش أمان، لو أن الله تعالى قال في الخمر: حُرِّمت الخمر عليكم، فيجوز بذلك أن تبيعها وأن تشتريها وأن تتاجر بها وأن تعصرها وأن تُعْلِن عنها، كل هذا يجوز لكن المنع أن تشربها فقط، أما حينما قال:
{فَاجْتَنِبُوهُ (90) }
(سورة المائدة)