أيها الأخوة، الله عز وجل يذم أولئك الذين يمدحون أنفسهم، والأولى ألا تزكي نفسك، وألا تزكي على الله أحدًا، لأن الجهة الوحيدة التي تعرف كل شيء تعرف الظاهر، وتعرف الباطن، وتعرف السر، وتعرف ما خفي عن صاحبها، هي الله جل جلاله، لا تخفى عليه خافية، كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قد تكون في موقف لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يحاسبك، لكن الله معك ويحاسبك، فالذي يخشى الله فيما بينه وبين الله هذا من قوة إيمانه، ومن شدة توحيده لله عز وجل.
على الإنسان أن يبتعد عن مدح ذاته لأن الله متكفل أن يجعله في حجمه الحقيقي:
إذًا يزكون؛ ينفون عن أنفسهم المعايب، ويلبسونها الفضائل، وكله كلام بكلام، ألا تعلمون أن شعر الفخر في الجاهلية كلام بكلام، ألم يقل المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلاماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها و يختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وجاهل مده في جهله ضحكي حتى أتته يد فراسة و صم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
كلام بكلام، كان في طريقه من البصرة إلى حلب مع غلامه فجاءه بعض الأعداء فولى هاربًا، قال له غلامه ألم تقل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قال له: قتلتني قتلك الله، فعاد وقاتل حتى قتل.