أيها الإخوة، الدنيا مهما طالت فهي أمام الآخرة صفر، ذلك أن الرقم، أي رقم واحد في الأرض و أصفار إلى الشمس، و كل ميليمتر صفر، كم هذا الرقم؟ تصور أمامك مئة وستة وخمسين مليون كيلومتر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، الآخرة لا نهاية، الآخرة أبد، والدنيا مهما طالت فهي محدودة، كل مخلوق يموت، غني أو فقير، قوي أو ضعيف، مثقف أو غير مثقف، صحيح أو مريض، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، و منزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، و لم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، و جعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، و يبتلي ليجزي.
أنا أؤكد أيها الإخوة أن كل إنسان شاء أم أبى في أعماقه مقياس للتفوق، وهذا المقياس منتزع من عقيدته، و منتزع من إيمانه، و منتزع من مفاهيمه، و منتزع من رؤيته، فحينما ترى المال قيمة كبيرة جدًا تسعى إليه و لو على حساب دينك، و حينما تعطي المال حجمًا كما حجّمه القرآن، قال عزوجل:
{فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}
(سورة الفجر: الآية 15)
هذا كلامه، و ليس هذا صحيحًا:
{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا}
(سورة الفجر: الآية 15 - 16)
حظوظ الدنيا حيادية: