كنت مع صديق لي توفي رحمه الله، وهو من لبنان، في أحد أحياء دمشق يرجع بمركبته إلى الوراء، فاصطدم بمركبة عمومية، أنا قلقت، لعل هذا السائق ينزل، ويتكلم كلامًا، شيء غريب، نزل السائق، ونظر إلى ما أصيبت به مركبته من ضرر، الضرر يحتاج إلى آلاف الليرات، قال للسائق اللبناني: أنت مسامح، اذهب، وهذا في أثناء أحداث لبنان، هذا الموقف غريب جدًا، وجدت هذا الصديق تنهمر من عينه دمعة، أنا عجبت، هل من المعقول أنه فرح لأنه ما دفع تعويضًا عن هذا الحادث؟ ليس هذا هو المعنى، سألته: لماذا تأثرت؟ قال لي: والله قبل سنتين، وأنا في بيروت، إنسان من سوريا ركب سيارة بيجو، ومعه أهله محجبون، صدم سيارتي، قال لي: والله ما أردت أن أفسد عليه نزهته، قال له: اذهب، فلما رأى من يعامله نفس المعاملة خشع لله.
لا يضيع عليك شيء أبدًا، أطعمت طعامًا، تنقذ إنسانًا، تنصح إنسانًا، تتساهل مع إنسان، تعفو عن إنسان يعفو الله عنك، فلذلك يجب أن تعلم علم اليقين أنه ما من عمل صالح مهما دق فله عند الله أجر، ما أكرم شاب شيخًا لسنه، وأنت كنت شابًا تركب مركبة عامة، صعد إنسان متقدم في السن، بالمناسبة إن من إجلال الله إجلال ذا الشيبة المسلم، إنسان مسلم وجهه منير، عمره ثمانون سنة، هذا إكرامه إكرام لله عز وجل، فأنت وقفت له، وكنت جالسا في مقعد.
في المسجد يأتي إنسان متقدم في السن، يحب مكانًا مريحًا، وترى شبابًا صغارا جالسين، مرتاحين، وهذا الإنسان المتقدم في السن لا يجد مكانًا يرتاح فيه، جدير بالشاب إذا كان جالسًا في مكان مريح، ورأى إنسانًا متقدمًا في السن أن يقدّمه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّه ) )
الترمذي
لا يمكن أن يعامل اللهُ المؤمن وغير المؤمن على حد سواء: