لماذا التف أصحابه حوله؟ لأنه ما ميز نفسه عليهم أبدًا، ما ميز نفسه عليهم أبدًا، لا في سلم، ولا في حرب، ولا في ضائقة مادية، ولا في جوع، ولا في خوف، أبدًا، لو أن من يتولى شؤون الدعوة في العالم الإسلامي درس بعناية فائقة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان يعامل أصحابه، كيف كان يتفقدهم، كيف كان يمشي مع المرأة المسكينة تسأله كل حاجتها، كيف كانت الجارية البنت الصغيرة تأخذه من يده فتقوده، وكيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره في البيت، فقد ارتحلاه وهو يقول:
(( نِعْم الجمل جملكما، ونعم الراكبان أنتما ) )
[ورد في الأثر]
كيف؟ كيف كان يخطب، فرأى الحسن أو الحسين يمشي، ويتعثر فنزل من على المنبر، وحمله، وصعد به المنبر، وتابع خطبته.
كيف كانت رحمته بالأطفال؟ كيف كان يصلي صلاة الفجر، وقد علمنا أن نقرأ الآيات الطوال في صلاة الفجر، فسمع طفلًا يبكي، ينادي أمه ببكائه، فقرأ آيات قصيرة، فقالوا: يا رسول الله لم تطل، قال: سمعت طفلًا ينادي أمه ببكائه، فأردت أن أرحمها، كيف؟
كيف حينما جاءه الوحي قالت له: خذ قسطًا من الراحة، قال: انتهى عهد النوم يا خديجة كيف؟
قبل أن يتوفاه الله جمع أصحابه وقال: من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتم له عرضًا فهذا عرضي فليشتمني، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ولا من طبيعتي.
و أحسن منك لم ترَ قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءًا من كل عيب كأنك خلقت كما تشاء
بماذا مدحه الله عز وجل؟ مدحه بفصاحته، فكان فصيحًا، بل كان أفصح العرب، لكن القرآن لم يمدحه بفصاحته، مدحه بقيادته، كان من أحنك القادة، مدحه بفطنته، فقد كان من أفطن البشر، بماذا مدحه؟ قال تعالى:
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
(سورة القلم: الآية 4)