وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخْروط في شَبَكَة العَيْن، وهذه العَيْن جعل مُدَّة انْطِباع الصورة جزءًا من خمْسين من الثانِيَة، فأنت بها ترى الأشْياء مُتَّصِلة لا مُنْفَصِلة، ومن جعل هذه الأُذن وعَتَبَةً للسَّمْع، ولو أنَّ هذه العَتَبَة انْخَفَضَتْ لما نِمْتَ الليل، صَوْتُ ارْتِطام الهواء على وَجْهِك لا يجعلك تنام الليل، قال تعالى:
{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}
[سورة القمر: 49]
فهذه العَتَبَة لا تقِلُّ ولا تزيد، اسمُهُ الحكيم، من جعل الشعْر على رأسِك؟ ولم يجْعَل فيه أعْصابًا حِسِيَّة؟ الحكيم، لو أنَّ في الشَّعْر أعْصابًا حِسِيَّة لوَجَب أن تذهب للمستشفى لِتَحْلِقَ رأسك إذْ تحْتاج إلى تخدير، فالله اسمُهُ الحكيم، ومن جعل هذه العِظام وهذه المفاصِل، ولولا هذا المفْصل الذي في اليد كيف تأكل؟ ومن جعل هذه التجْعيدات في جِلْد الأصابِع؟ لولاها لما أمْكَنَكَ أنْ تثْنِيَ أصابِعَك، ومن جعل هذا الجلْد على عقد الأصابع مُخَطَّطًا؟ من أجل أن تُحْسِنَ مسْكَ الأشْياء، ومن جعل الشَّعْر ينْبُت في الأنف إذْ له وظيفة خطيرة ولا ينبت في الفم؟ اسمه الحكيم، ومن جعل طول اليَدَيْن بِهذا الطول المُناسب؟ اسمه الحكيم، ومن جعلهما مُتساوِيتينْ؟ فالخياط يأخذ طول يَدٍ واحدة، اسمه الحكيم، ومن جعل لك الهضْم مُيَسّرًا من دون أنْ تشْعُر؟ ومن جعل هذا الغذاء مُتناسبًا في قِوامه ولونه وطعامه ومضْمونه وطَعْمه، فاسمُ الحكيم اسمٌ واسِع جدًا، ولا بد لنا أنْ نُفَكِّر في هذا الاسم؛ اسْمُ الحكيم واسْم الجامع والمانع والباسط والقابض والرافع والخافض والمُعزّ والمُذِل.
إذا كان الله معك فَمَن عليك؟ ... وإذا كان الله عليك فَمَن معك؟
قال تعالى:
{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}
[سورة الرعد: 11]