{سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ}
في كل مكان ألقى الله بذورًا، أنا أذكر في بعض السنوات من دمشق إلى حمص كان الطريق كله أخضر اللون، هذا الطريق أرض قاحلة، حينما جاءت الأمطار غزيرة جدًا أنبتت الحشيش، هذا الحشيش أين بذره؟ بذره مدفون في الأرض، فهذه الأمطار الغزيرة المباركة حركت هذه البذور، وعالم البذور عالم لا ينتهي، عالم يمثل كرم الله عز وجل، لو أن الله عز وجل خلق الأرض وخلق عليها مليار ملْيار طن بندورة ووضعت في طريقة تحفظ من التلف وجاء البشر وتوالدوا وأكلوا، فلما انتهت هذه الكمية ماتوا جوعًا، الطريقة المثلى التي تجعل الإنسان يأكل مادام حيًا هي طريق البذور. نبات البطيخ يحمل سبع عشرة بطيخة من بذرة واحدة. ومن نصف غرام بذر بندورة ينتج نصف طن بندورة، هذا عطاؤنا.
الخضار كلها لها بذور، إذا دفنتها في الأرض ورويتها بالماء نقعت به فتحرك الرشيم، الرشيم كائن حي له مواصفات لحياته يحيا من عشر إلى ثماني وثلاثين، هذا الرشيم موجود في البذرة والبذرة هي غذاء للرشيم، إذا نقعته في الماء انتعش وأثير وبدأ ينمو مستهلكًا المواد النشوية في البذرة؛ ماذا يفعل؟ ينبت له سويق وينبت له جذير، لكن سرعة الجذير أسرع من السويق من أجل أن يتمكن من امتصاص المواد الغذائية في التربة، فإذا نبت السويق ونبت الجذير، والجذير انتهى بأشعار ماصة، والأشعار الماصة انتهت بقلنسوة ذرة صغيرة، وهذه الذرة تأخذ حاجتها من التراب قد تأخذ البوتاس، قد تأخذ الكبريت، قد تأخذ الحديد، من علم هذه الشعرة التي لا ترى بالعين أن تأخذ سبع ميكرونات حديد، ثمانية فوسفور، وأربعة كلس، من علمها أن تأخذ النسب الضرورية محلولة بالماء، ولولا الماء لما نبت الزرع، والماء وظيفته أنه وسيط، لذلك الله عز وجل قال:
{َأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا* فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا}