لكن أروع ما في الآية كلمة (منهم) للتبعيض، لو أن واحدًا من أهل الكتاب كان أمينًا، ولم يكن في هذه الآية من أهل الكتاب بماذا شعر؟ أن هذا ليس كلام خالق البشر إنه كلام بشر، الإنسان يعمم، ولا يدقق، ولا يلقي حكمًا موضوعيًا لا يستقصي يميل إلى حكم عام، لو أنه سافر إلى بلدة، وأساء إليه بعض سكانها لاتهم البلدة كلها بالانحراف، هذا شأن البشر، لكن الله جل جلاله هو خالق البشر، هو الحق، لذلك قال تعالى:
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}
3 ـ الأمانة غنى:
والحقيقة: الأمانة غنى، إن أكبر رأس مال تملكه ثقة الناس بك، وأساسها أمانتك، تكون أمينًا معهم فيثقون بك، وإذا وثقوا بك فأنت تملك أكبر رأس مال على الإطلاق! فهذا الذي إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، وأحيانًا إنسان يخون أخاه بمائة ليرة، بخمسين ليرة، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، وهناك من إذا دفعت له مائة مليون على أن يأكل مالًا حرامًا، أو أن يفعل شيئًا لا يرضي الله ركلها بقدمه.
نحن مع الأسف الشديد عشنا مع مجتمع متفلت، ضاعت فيه القيم، وانهارت فيه العهود، وسقطت الكلمة، لأنها لا تعبر عن واقع، لكن لو عشنا مجتمع قيم، نحن في مجتمع الشهوة، لا في مجتمع القيم، في مجتمع المصالح لا مجتمع المبادئ في مجتمع الانحطاط لا في مجتمع السمو، هؤلاء الناس حينما يعرفون الله، ويخافونه في أشد الحالات دقة هؤلاء العيش بينهم جنة! ورد في بعض الأحاديث في الأثر:
(( إذا كانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ خِيارَكُمْ، وأغْنِياؤُكُمْ سُمَحاؤكُمْ، وأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِها، وإذا كانَتْ أُمَرَاؤُكُمْ أشْرَارَكُمْ، وأغْنِياؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وأُمُورُكُمْ إلى نِسائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِها ) )
[الترمذي عن أبي هريرة]