وما زال يعبد الله عز وجل ويفكر في ملكوت السموات والأرض، ويتقرب إليه بالعمل الصالح، ولا يعرف من هو، ولا ما سيكون، ولا من سيكون، ولا أنه سيكون نبيًا، ولا رسولًا، ولا أنه سيد خلق الله، كل هذا لا يعرفه، ولما بلغ الأربعين وقد عرف الناس صدقه وأمانته وعفافه وطهارته ونسبه، جاءه الوحي، قال تعالى له:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
[سورة العلق: 1]
قال: ما أنا بقارئ، فقال تعالى:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}
[سورة العلق الآية: 1 - 5]
جاءه الوحي فكان هذا الوحي غذاءً لروحه، عرف أنه مشمول بالعناية الإلهية، وأنه مقصود بالرعاية الربانية، وعرف أنه مصطفى، وأنه مقرب إلى الله عز وجل، وعرف الطريق لهداية الناس، بعثه الله نبيًا ورسولًا، فبدأ يدعو قومه، وبدأ الوحي ينزل عليه، وفجأة انقطع عنه، وبانقطاع الوحي أصابه غم وحزن شديد، وشعر أن الله تركه وكأنه قلاه، وتخلى عنه، فجاءت هذه الصورة مبدوءة بقوله تعالى:
{وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
من شدة فرحه صلى الله عليه وسلم حينما جاءه جبريل بعد انقطاع طويل قال: الله أكبر، فرحًا بالوحي المتجدد، وبرحمة الله المستمرة، وبمكانته الثابتة.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
هذه السورة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل مؤمن له مع الله تجربة، يعبده، ويطيعه، ويحبه، ويتفانى في خدمة خلقه، ويصلي له، ويتهجد له، فإذا أصابته جفوة، وأنكر قلبه، وشعر أن صلاته شكلية، وأن إقباله على الله أصبح صوريًا، ضاق بالدنيا وضاقت به الدنيا.
فأحبابنا اختاروا المحبة لنا مذهبًا ... و ما خالفوا على مذهب الحب شرعنا