فلو أنَّك ترى الأبيض والأسْود والرمادِيّ فقط فما قيمة هذه الأزهار؟ وزُرْقَة السماء والبحْر؟ وما قيمة هذه الألْوان الزاهِيَة؟ كُلُّ هذه الألْوان التي خلقها الله في الأرض المُمْتِعَة الجميلة لا قيمة لها لو حُذِفَتْ من شَبَكِيَّة العَيْن المخاريط وبَقِيَتْ العُصَيَّات، سَترى ولكِنَّك ترى الأبيض والأسْود فقط! قال تعالى:
{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ}
والله الذي لا إله إلا هو لو فَكَّرْنا في العَيْنَيْن وحدهما لذابت نُفوسُنا خَوْفًا وخُشوعًا وتعْظيمًا، يا رب لمَ خَلَقْتَ لنا عَيْنَيْن؟ فماذا لو خلَقْتَ لنا عيْنًا واحدة كما خَلَقْتَ لنا قلْبًا واحِدًا؟! بالعَيْن الواحِدة لا ترى إلا المُسَطَّحات، أما بالعَيْنيْن فترى الحُجوم، وبالعَيْن الواحدة ترى الطول والعرْض، وبالعَيْنَيْن نرى الطول والعرض والبُعْد، والتَّجْربة سهْلة في هذا، فلو حاوَلْتَ أن تضع الخيط في الإبرة بِعَيْنٍ واحدة لأدْخَلْتَ الخيط عن بُعْد عشرة سنتمتر ظنًا منك أنَّك تُدْخِلُهُ في الثُّقب!! لكن بالعَيْنَيْن تكْشِفُ المسافة التي هي العُمْق، ولولا العيْنان لما قدَّرْتَ المسافات فأربع أخْماس حركاتنا مشْيًا أو ركضًا أو قِيادَةً، ألم نجْعل له عيْنين؟ وبالمُناسبة فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في ثمانِيَ عشرة آية ذكر السَمْع والبصر، وفي سبْعَةَ عشرة آية حصْرًا ذكر السَّمْعَ قبل البصر! والشيء الثابت عِلْمِيًا أنَّ حاسَّة السَّمْع تتشَكَّلُ قبل حاسَّة البصر، وأنَّ الجنين يسْمعُ بعض الأصوات وهو في بطْن أُمِّه، وأنَّهُ يسْتجيبُ للأصْوات بِحَركاتٍ وهو في بطْن أُمِّه ولكنَّهُ لا يسْتجيبُ للضَّوْء إلا بعد الوِلادة، ولذلك في سبعة عشرة آية قال تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
[سورة المؤمنون: 78]
وفي آيةٍ واحدة قال تعالى: