لكن سبحان الله حينما كان الذهاب إلى الحج مشْيًا على الأقْدام - تعْلمون كم هناك مِن المشْي من الشام إلى مكَّة المُكَرَّمة من مشَقَّة - أشْهُرًا وكانوا يرْكبون على الجِمال، ويبْدو أنّ الثواب على قدْر المَشَقَّة، فهذا الذي مشى شهْرين حتى وصل إلى البيت الحرام بماذا يشْعر هناك؟ شُعورهُ يكون أضْعافًا مُضاعفة على من رَكِبَ طائِرَةً ولم يشْعر بِشَيء؛ ولذلك فالله سبحانه وتعالى جعل الثواب على قدْر المشَقَّة، اِلْبِس ثَوْبَ الإحْرام فإنَّك لا تعْرف قيمة المخيط من الثِّياب حتى تلْبسهُ! قِطْعَتان من القِماش، تُحِسُّ بِقيمَة الثَّوْب، وتُحِسُّ أنَك والناس في مُسْتوى واحد، لا فضْل لأحَدٍ على أحَدٍ، الناس كُلُّهم في هذا البيت، ليس هناك رُتَبٌ ولا ألْقاب ولا حُظوظ اجْتِماعِيَّة، ولا درجات ولا دَرَكات، العِباد في بيْت الله، ربنا عز وجل قال:
{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[سورة المائدة: 97]
فإذا علِمْتَ أنّ الله يعْلم فقد انْتهى المقْصود، فلماذا يكذب الإنسان؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، ولماذا يعْتدي على أخيه؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، ولماذا يعْتدي على مال أخيه؟ لِقِلَّة عِلْمِه أنَّ الله يعْلم، فإذا علِمَ أنَّ الله يعْلم فالإيمان قَيْدُ الفَتْك، إذْ لا يُعْقَل للمرء وهو على مرْأى من رِجال الأمن أن يرْتَكب مُخالفة للقانون، فإذا علِمْتَ أنَّ الشرطي يُراقِبُك وأنَّك إنْ تجاوَزْتَ الإشارة فسوف يُقَدَّم في حقِّك ضبْطًا قد يكون مُتْعِبًا لك، سواءً مادِيًا أو معْنَوِيًا، فليس من المعْقول الإقْدامُ عليه، وإذا كان الحج حصل بِشَكْلٍ كما رسمهُ الله عز وجل، تعود من هذا البيت الحرام وأنت توقِنُ أنَّ الله يعْلم: