فهرس الكتاب

الصفحة 21320 من 22028

كنت عند قاضٍ صديقٍ لي، وقف الأشْخاص الذين سوفَ يُحَقِّقُ معهم واحدًا تِلْوَ الآخر، فما كان من أحدٍ منهم إلا وعلى وَجْهِهِ كآبَة وغَبَرة ونظرُهُ في الأرض إلى أنْ دخل إلى الغُرْفَةَ شابٌ ولكن وضْعٌ آخر، وجْهٌ طافِحٌ بالبِشْر، وواثِقٌ من نفْسه فقلْتُ في نفْسي: لا شكَّ أنَّ هذا الشاب ليس مُتَّهَمًا ولا علاقة له بِهؤلاء المُتَّهَمين، فلما وصل إليه سأله: هل كان تصْليح الساعة جيِّدًا؟ فَعَرِفْتُ أنَّهُ كان مُكَلَّفًا بِتَصْليح ساعته! لأنَّهُ بريء. فالمُجْرم وَجْهُهُ خاشِع يوم القيامة، أما المؤمن كما قال تعالى:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ*لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}

قال تعالى:

{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}

في هذه الآية معانٍ كثيرة:

عامِلَةٌ في الدنيا، عمِلَ عمَلًا لا قيمة له وضع كُلَّ طاقاته في الدنيا فجاء الموت فإذا هو صِفْر اليَدَيْن، قال تعالى:

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا}

[سورة الكهف:103]

وقال تعالى:

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

[سورة العصر: 1 - 3]

هو في خُسْرٍ ولو كان معه ألف مليون، ولو عنده معْمل ناجح جدًا بِضاعَتُهُ رائِجَة، ودخْلٌ كبير، وهو في خُسْرٍ ولو كان مُوَفَّقًا في زواجِهِ لا بدّ من يومٍ تُفارق فيه زوْجَتَك، في خُسْرٍ ولو كان ذا مكانةٍ اجْتماعِيَّة فلا بدَّ من يومٍ تُفارق هذه المكانة، إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ ولو كان بيْتُهُ جميلًا، لابد من يومٍ تُغادِرُهُ أُفُقِيًا، تدخله قائِمًا وتخْرُجُه قائِمًا إلا مرَّةً واحدة تخْرج منه أُفُقِيًا ولا تعود إليه، ألَيْسَ هذا حقاًّ؟ إذًا كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت