بِمَعْنى لَسَكَنَتْ جوارحه. فالخُشوع هو السكون، لكنَّ السكون في هذه الآية بِسَبَبِ الذلّ والخِزْيِ والعار، إذا نظرْتَ إلى مُجْرِم، تجده يضعُ بصره في الأرض، ويسْكُنُ، أما البريء عَيْناهُ زِئبِقِيَّتان تتحرَّكُ يَمْنةً ويسْرة، ووجْهُهُ طافِحٌ بالبِشْر، وعلى فَمِه اِبْتِسامة ويتحرَّكُ بِحُرِّيَّة، لكنَّ الذليل المُجْرم الذي اقْتَرَفَ الإثم، ووقع في الفضيحة تراهُ خاشِعًا، لا خُشوعَ الخُشوعِ! ولكن خُشوع الخِزْي والعار، أيْ السُّكون.
قال تعالى:
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ *وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}
لو أحْسنَ شخْصٌ لآخر ثمَّ خانه، يكْفي أنْ ينظر إليه فلا يسْتطيع هذا الخائِن أنْ ينظر إليه، تراهُ يتلافى النظر إلى وَجْهِهِ! يضعُ بصره إلى الأرض. خلَقْتُ لك ما في الكون من أجلك لِمَ عَصَيْتني؟
(( إنِّي والإنس والجِنّ في نبأ عظيم أخْلُقُ ويُعْبدُ غيري! وأرزُقُ ويُشْكرُ سِواي! خيري إلى العِباد نازل، وشَرُّهُم إليَّ صاعد! أتودد إليهم برحمتي، وأنا الغني عنهم! ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أفقر ما يكونون إلي! ) )
[رواه البيهقي والحكيم الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]
كلُّ ما في الكون من أجلك قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}
[سورة لقمان: 20]
وقال تعالى:
{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}
[سورة النحل: 5]
قال تعالى:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}
[سورة الروم: 21]