أيْ إلا ما شاء الله أنْ يُنْسيك إياه فإنَّكَ تنْساهُ لأنَّك بشرٌ، المعْنى الثاني دقيقٌ جدًا، أنَّ إرادة الله عز وجل ومشيئَتَهُ لا يُمْكن أنْ تُقَيَّد، هذا الموضوع يقودنا إلى موْضوعاتٍ أُخْرى؛ أحَدُهم سَمِع أنَّك إذا سافَرْتَ وتَصَدَّقْت فإنَّ الله سبحانه وتعالى يحْميك في هذا السفر، فأنت إذا تصَدَّقْتَ بِمِئَة لسرة قبل السفر فهل عَطَّلْتَ مشيئة الله عز وجل؟! لا يُمْكن أن يحْدُثَ شيء؟! لا، ما دُمْتَ معه فإن شاء الله لا يحْدثُ شيء، لكِنَّك إنْ دَفَعْتَ الصَدَقَة ونسيتَهُ وانْحَرَفْتَ في السفر، ولو دفعْتَ هذه الصدقَة، مشيئة الله مُطْلقة، قد يقول لك إنسانٌ أنا زكَّيْتُ عن مالي، وله طُمأنينة قاطِعَة أنَّ مالهُ لا يتْلَف، فإذا به يفاجئ أنَّهُ تلف! فأنت إن دفعت الزكاة وأيْقَنْتَ أنّ المال لن يُتْلَف، وأخذْتَ حُرِّيَتَكَ بأشْياء ثانِيَة؛ معْصِيَة، إنَّك لن تُقَيِّد مشيئة الله بِهذه الزكاة، لا، مع أنَّك زَكَّيْتَ تأتي المُصيبة، لا تُمنعُ المصيبة إلا إذا كنتَ معه، حينها يحْفظك ويحْميك، فإذا دَفَعْتَ جُزْءً من مالك، هل بِهذا المال تتعطَّلُ مشيئةُ الله عز وجل؟ لا، قال تعالى:
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}
مشيئة الله ليس فوقها مشيئة، ولا شيءَ يحُدُّها أو يُعَطِّلُها أو يمْنَعُها، فهذه بِشارة؛ نُقْرئك فلا تنْسى أيْ إياك أن تنْسى، وسَنُقرئك فلا تنْسى أيْ أنَّك مُهْتَمّ وهذا قانون، فهذه الآية بِشارةٌ من الله أنّ حِفْظ القرآن علينا وليس عليك، وقانون لأنَّك مُحِبٌّ ومُهْتَمٌ ومُوَلَّهٌ بنا فلا تنْساه، ومُعْجِزة إلا ما شاء الله، أيْ إلا أن تكون مشيئة الله قد قرَّرَتْ أنَّ النِّسْيان ضروري، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) ).
[رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى]