كُلْ تمرةً، ودقق في النواة تجد هناك خيطًا بين الفِلقتين، هذا الخيط الصغير اسمه الفتيل، وضع النواة على رأس لسانك، وقم بتحريكها تجد لها نتوءًا صغيرًا مثل رأس الدبوس، هذا هو النقير:
{وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}
[سورة النساء:77]
فكل شيء محسوب، لكن عندما تجد إنسانًا يمشي في طريق الإيمان وهو متعب، يريد أن يرضي أمه وأباه، وأن يؤمِّن لزوجته حاجاتها، وأن يعتني بأولاده ويربيهم، ويرغب في أن يكون أولاده مؤمنين، ويريد إتقان عمله حتى لا يشينه أمر وهو مسلم، وأن يحضر في موعد الوظيفة تمامًا، وإذا كان مراجعًا من المراجعين يلبس زيًا دينيًا، واضعًا لفة على رأسه فتأخر لخدمته ساعة بعد الدوام، يعاني مشقة في دوامه، وفي وظيفته، وفي عمله، وفي تجارته، وفي بيته، ومع أهله وأمه، وله أخوة يسكنون في أماكن بعيدة، فهذا الجهد الكبير كله محسوبٌ عند الله عزَّ وجل. لكن الشقاء لا لهؤلاء، ولكن لمن كان يسعى بجهدٍ كبير، ويعرق، وينصب، ويكدح، والنهاية إلى جهنَّم، هذه هي المشكلة، فالمؤمن رابح مهما بذل من جهد، ومهما انضبط، ومهما شعر أن في الحياة جهادًا، لكن المربح معه، فالحياة مؤقَّتة، والسعادة أبدية، والجنة سرمدية، لكن إنسانًا آخر يهلك طوال حياته، كشخص ذهب إلى دولة أجنبية، وعمل في المطاعم ليلًا ونهارًا، وترك عياله وأولاده إلى أن أسس مشروعًا، وجمَّع ثرةً، وأرسل أول مبلغ، وطلب من أهله شراء أرض، وفي السنة الثانية بعث مبلغًا آخر لتعمير الأرض، ثم بعد ذلك أمدّهم بمال لفرش البيت وتأثيثه بالأثاث الفخم، وطلب إنشاء حديقة، وما زال في أوامره: اعملوا واتركوا، وهو راجع بعد عشرين سنة من التعب، وبعد أن أمَّن بيتًا فخمًا وفرشه، وفي أثناء تناوله الطعام في المطار، وبعد أنْ أكل لقمتين من الطعام، وفجأة سقط مفارقًا للحياة، مسكين على هذه الحياة، تعب مُضنٍ، والثمرة صفر.