إن طفح هذا الكتاب بالأعمال الصالحة يقود صاحبه إلى الجنة، وإن طفح هذا الكتاب بالأعمال السيِّئة قاد صاحبه إلى النار، فالآيات الأولى:
{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ}
أي صفحاته مرقَّمة ومضبوطة لا تُنسَى منه صفحةٌ واحدة، ولا تضاف صفحةٌ تزويرًا، ولا تنزع منه صفحةٌ واحدة، لا تزويرًا ولا تستيرًا:
{كِتَابٌ مَرْقُومٌ}
ومرقوم أيضًا أعماله كلُّها مصوَّرة، فالخبر عن العمل شيء وصورته شيء أبلغ، فإذا ارتكب الإنسان مخالفة، وقيل له: أنت خالفت، وهذه المخالفة بكتاب رسمي هذا خبر، أما إذا قدِّمت له صورةٌ وهو يخالف فالصورة أبلغ، مرقومٌ في صفحاته، ومرقومٌ في صوره.
قال تعالى:
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ *وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}
هذا الترابط المستمر بين التكذيب بالدين والعمل السيِّئ:
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}
[سورة الماعون: 1 - 2]
{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ}
[سورة القصص: 50]
{وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}
أي أن من علامة المكذبين أنَّهم لا يعبؤون بآيات الله عزَّ وجل ولا بقوانينه، ولا بنظمه، ولا بآياته القرآنية، ولا بتشريعاته.
قال تعالى:
{قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
كلُّ عملٍ سيِّئ يشكل غشاوةٌ تلقى على القلب، ثم غشاوة فوق غشاوة، إلى أن يصبح الرَّان، أي غشاوةٌ سميكةٌ لا يمكن خرقها ..