موضوع صببنا الماء صبًا أيضًا درس كبير جدًا، كيف أن الله عز وجل جعل الهواء يحمل بخار الماء، وكيف أن الله عز وجل جعل مناطق حارة، ومناطق باردة، وجعل المنطقة الحارة ضغطها منخفض، والمنطقة الباردة ضغطها مرتفع، وجعل من تفاوت الضغطين ما تنشأ عنه حركة رياح، والرياح تسوق السحاب، والسحاب محمَّل ببخار الماء، يواجه جبهةً باردةً فينقلب إلى مطر، ويُعْصَر عصرًا، وهذا المطر يصبح ينابيع وأنهارًا.
نهر الأمازون كثافته في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، ينابيعه مِن أين؟ كله من أمطار السماء، من ماء السماء، انقلب إلى ينابيع وأنهار، وحول الأنهار قامت الحضارات، حضارة الرافدين حول دجلة والفرات، حضارة النيل، مصر هبة النيل، قال سيدنا عمر بن الخطاب: صف لي مصر يا عمرو؟ قال له: يا أمير المؤمنين مصر طولها شهر وعرضها عشر، يخط وسطها نهر ميمون الغدوات، مبارك الروحات، فبينما هي عنبرة سوداء، فإذا هي دُرَّة بيضاء، ثم هي زبرجدية خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء.
مصر هبة النيل، وفي حضارة الرافدين، وهنا في بلدنا الطيب أين التَجَمُّع السكاني؟ حول نهر العاصي، ونهر بردى، ونهر الأعوج، هذه الأنهار، الآن في العالم معركة مياه، كنا في معركة البترول، ثم دخلنا في معركة القمح، والآن نحن في معركة المياه، بل إن موضوع المياه هو الموضوع المُشْكِل في أيَّة مباحثات، موضوع المياه بالذات، لأن حياة الأحياء بالمياه:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}
[سورة الأنبياء: 30]
{أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا}