مَن جعلها مستوية هكذا؟ ومَن جعل تربتها ليّنة؛ تفلحها، وتزرعها، وتسقيها، وتبني عليها، فلو كانت الأرض كلها مائلة، فالأراضي المائلة متعبة جدًا تحتاج إلى جدر استنادية، وإلى مدرجات، والتربة قد تذهب مع الماء، مَن جعلها مستوية في معظمها؟ الله جل جلاله، مَن جعل تربتها صالحة للزراعة؟ لو أن الأرض مِن صخر كلها، فماذا نأكل؟
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا* وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا* أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا
مصر، ما قيمتها مِن دون النيل؟ صحراء، مصرُ هبَةُ النيل، قال سيدنا عمر لسيدنا عمرو بن العاص: صف لي مصر؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، مصر طولها شهر، أي طولها مسيرة شهر، وعرضها عشرٌ، أي عشرة أيام، يخط وسطها نهرٌ ميمون الغدوات، مبارك الروحات، بحر، فيه أماكن عمقها ستون مترًا، ويبلغ عرض النيل في بعض الأماكن أكثر من ألف متر، وهو أطول نهر في العالم، ومصر هبة النيل، ولولا نيلها لما عاش فيها أحد، فبينما هي يا أمير المؤمنين عنبرةٌ سوداء، في الشتاء التربة داكنة، إذا هي دُرَّةٌ بيضاء، عند طوفان النيل، ثم هي زبرجدةٌ خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء.
ما قيمة دمشق مِن دون بردى ونبع الفيجة؟ مَن يسكنها؟ ما قيمة الزبداني مِن دون ينابيعها؟ ما قيمة بلادنا مِن دون أنهارها؟ موت، مَن أخرج هذا الماء؟ فهذا نبع الفيجة، ومَن يصدِّق أن حوض الفيجة في التقدير العادي القديم يصل إلى حمص، على سيف البادية، فنصف لبنان فوق حوض الفيجة، ومِن قرية عين الفيجة إلى حمص قريبًا منها، هذا امتداد الحوض نحو الشمال، وعرضًا من سيف البادية إلى أواسط لبنان، يعطينا في الثانية ستة عشر مترًا مكعبًا، وذلك في الأيام العادية، وفي الشام خمسة ملايين ونصف يشربون مِن هذا النبع، والله أكرمنا في هذه السنة بالأمطار إكرامًا لولاه لاشتهينا كأس الماء.
{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}