المعنى الثاني في هذه الآية أن اليهود كانوا يتحدَّوْنَ المنافقين قبل مجيء الرسالة النبوية بقولهم: آن أوان مجيء نبيٍ نؤمن به، فالمنافقون كان عليهم أن يؤمنوا بهذا النبي ليتحدّوا اليهود الذين بشروهم بهذا النبي، فلما جاء النبي الذي كانوا ينتظرونه، وكانوا يبحثون عنه، كي يردوا على كيد اليهود، وكي يقفوا أمامهم ندًا لند، كذَّبوا به، فهم استوقدوا نارًا، فلما أضاءت ما حولهم أذهب الله نورهم الذي كان من الممكن أن يُرْشِدهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة برفضهم لدعوة هذا النبي.
3 ـ المعنى الثالث أنهم كفار حقيقة لكن مصالحهم تعلقت بالمؤمنين فأظهروا ما لا يبطنون:
هناك معنى ثالث: أن هؤلاء المنافقين هم في الحقيقة كُفَّار، ولكن مصالحهم تعلَّقت بالمؤمنين، فأعلنوا إسلامهم، وأخفوا كفرهم، وهم أرادوا الدنيا فقط، هؤلاء انتفعوا بكفرهم، ولكنهم يختلفون عن الكافرين بأن لهم مصالح مع المؤمنين، فأظهروا ما لا يُبطنون، وأعلنوا ما لا يُسِرُّون، والدليل على ذلك:
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) }
هذه منافذ الإيمان.
الاستماع الذي أراده الله هو الذي يعقبه تطبيق:
صممٌ أَصَم لا يسمع.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) }
(سورة ق)
الإنسان إذا أصغى:
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (4) }
(سورة التحريم)
المؤمن يصغي إلى الحق لكن المنافق لا يصغي، قد يجلس في مجلس علم، لأنه على موعد مع شخص، قال له: نلتقي في الجامع، يجلس، ويستمع إلى الدرس كُلِّه، ولا يفقه منه شيئًا، لأنه ليس هناك، هو في واد والدرس في واد آخر،
{صُمٌّ}
وقد تجلس وتحدِّثه عن الله يتثاءب، ويتشاغل، ذهنه في أسعار العملات، في الصفقات، في الدرهم والدينار، في النساء، فإذا حدَّثته حديثًا مصيريًا وخطيرًا فأنت في واد وهو في وادٍ آخر،
{صُمٌّ}