فالإنسان يصيب ويُخطئ، يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا، يتهم نفسه دائمًا، سيدنا عمر هذا الإنسان العظيم الذي أثنى عليه النبي، والذي بشَّره بالجنة جاء إلى سيدنا حذيفة قال: يا حذيفة أُناشدك الله اسمي مع المنافقين؟ لأن رسول الله أعطى حذيفة أسماء المنافقين، وكان أمين سرِّ رسول الله.
فكلما ارتقى مقامك عند الله تحاسب نفسك أشد الحساب، لعلَّ هذه الابتسامة كان فيها سُخرية، لعل هذه الكلمة فيها اعتزاز، لعل هذا التصرُّف جرح شعور فلان، لعل عدم تلبية هذه الدعوة انكمش لها فلان، فالمؤمن يتقلَّب في اليوم الواحد بأربعين حالًا؛ بين أنَّه يرضى، بين أنه لا يرضى عن نفسه، بين أنه يستبشر، بين أنه يخاف، فإن هذا الوضع الحريص على رضاء الله، والحريص على طاعة الله، والحريص على استقامته مع الله، هذا الحرص الشديد يجعله بحالة محاسبةٍ نفسيةٍ شديدة، هذا الذي يُحاسب نفسه حسابًا عسيرًا أثنى الله عليه قال:
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) )
(من صحيح مسلم: عن أبي هريرة)
إيَّاكم، ثم إياكم، ثم إياكم أن تأخذوا هذا الحديث على ظاهره، المعنى الدقيق والعميق الذي أراده النبي من هذا الحديث: أنَّك إن لم تشعر بذنبك فأنت ميِّت، والدليل: اذهب إلى إنسان مات حديثًا وأمسك بسكين واجرحه، فلا يتألم ولا يصيح، ولا يسحب يده، ولا يعترض، ولا يلومك.
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
فإذا الإنسان ارتكب ذنبًا وقال لك: ماذا فعلت؟ ماذا حدث؟ منتهي، ميت.
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)
)سورة النحل (