النبي بشر، لولا أنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر تألَّم هو رسول الله، هو بين أن يكون مجنونًا، أو كاهنًا، أو شاعرًا، ثم اتفقوا على أنه ساحر لأنه يفرق بين المرء وأهله، كيف يُفَرِّق؟ الرجل يؤمن وامرأته لا تؤمن، تنشأ هوةٌ بينهما، الأخ يسلم و الأخ الثاني لا يسلم.
وأنت الآن: إن لم تشعر بغربةٍ وأنت بين عامَّة الناس فأنت بعيدٌ عن الإيمان لأن:
(( هذا الدين بدأ غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ) )
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة)
أناسٌ صالحون في قوم سوءٍ كثير، إحساسك بالغربة علامة إيمانك، إن جلست بين أهل الدنيا، بين من شغلتهم الدنيا، شغلتهم أهواؤهم، شغلتهم شهواتهم، شغلتهم مصالحهم عن طلب العلم، وعن معرفة الله، وعن طاعة الله عزّ وجل، هؤلاء ضاعوا فإن استأنست بهم فأنت مثلهم، الإحساس بالغربة من علامة الإيمان، والعلماء قالوا:"المؤمنون في غربةٍ مع غير المؤمنين، والموَحِّدون في غربة مع عامَّة المؤمنين، والسالكون إلى الله في غربةٍ مع غير السالكين". كلَّما ارتقيت في الإيمان شعرت أن الذين حولك ليسوا على مستواك، هذا نوعٌ من الغربة.
الشيء الذي أكَّدته لكم قبل قليل:
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)
ملاطفة في الخطاب، إيناس، تَحَبُّب إلى الله عزّ وجل، تكريم لهذا النبي وتذكير لمهمَّته الكبيرة.
قُمْ فَأَنْذِرْ (2)
لذلك أيها الإخوة: من جعل الهموم همًا واحدًا كفاه الله الهموم كلَّها. اعمل لوجهٍ واحد يكفيك الهموم كلها. حينما ينشأ في نفسك رغبةٌ في نشر الحق هذا همٌ مقدَّس عندئذِ الله جلَّ جلاله يوفِّقُك ويؤيّدك، ويَدْعَمك ويطلق لسانك، ويهبك الحكمة التي هي أثمن شيء.
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
(سورة البقرة: آية"329")
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)