لقد علم أن في الناس من هو مريض متعب، وأن هناك من له جهد كبير في النهار والليل قصير، وعلم أن المسلمين لن يستطيعوا أن يصلوا قيام الليل دائمًا، فقد يصلونه في الشتاء وفي بعض أيام الصيف، لكن لو جعله فريضة لكان مشقة علينا، والله سبحانه وتعالى جعله في أول الأمر فريضة على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه، ثم جعله فرضًا عليه ونفلًا على المسلمين وهذا من أنهج الأقوال.
علم أن لن تحصوه؛ أي: لن تستطيعوا قيام الليل دائمًا، فتاب عليكم، فكانت هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}
معاني الآية:
{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ}
1 -المعنى الأول: فاقرؤوا في الصلاة ما تيسر من القرآن، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأ مائة آية في صلاة الليل، فهنا الآية تخفيفية أيضًا؛ أي اقرأ بحسب طاقتك وإقبالك، و القرآن هنا هو الصلاة؛ أي: صلّ ما تيسر لك من الصلاة، لقوله تعالى:
"أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) "
(سورة الإسراء)
و قرآن الفجر هنا هو صلاة الفجر، سميت الصلاة هنا باسم بعض أجزائها، فإذا قلت فاقرؤوا ما تيسر من القرآن؛ يعني: فصلوا ما تيسر لكم من الصلاة، و هذا معنى.
2 -المعنى الثاني: فاقرؤوا ما تيسر من القرآن؛ أي: اقرؤوا في الصلاة ما تيسر لكم، فالإنسان له إقبال وله فتور، فإذا كنت مقبلًا فأدّ الفروض والنوافل، وإذا كنت في فتور فاكتف بالفرائض، ومعنى قوله تعالى:
{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى}
فالمريض لا يستطيع أن يصلي قيام الليل.
{وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}