أشد وطئًا؛ أي: أعظم أثرًا، ويمكننا أن نفسر هذه الآية مستعينين بالمثل الآتي: إنسان كتب اسمه على الماء بإصبعه، فكم من الزمن يبقى هذا الاسم؟ أقل من ثانية، ويقولون في المثل: كالكتابة على الماء، و إنسان آخر كتب اسمه بريشة على ورق، فمع الأيام يضعف أثر هذا الحبر، وقد تتمزق الورقة، أما لو حفر اسمه على رخام فقد يبقى هذا الاسم محفورًا آلاف السنين، وعندنا الآن آثار كانت قبل الميلاد بآلاف السنين، وقد ظلت النقوش التي على الحجر كما هي، وأردت من هذه الأمثلة أن أقول: إن الذي ينشأ في صلاة الليل غير الذي ينشأ في صلاة النهار.
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}
وطئًا: وقعًا؛ أي: هي أعمق أثرًا و أعظم ثمرة، و الليل هو الوقت الذي يكون بين من المغرب وحتى الفجر، فمن صلى المغرب و العشاء و الفجر كان كمن حقق جزءًا من هذه الآية، فكأنه صلى قيام الليل لأن هذه الصلوات تكون في الليل، وهذا الوقت وقت راحة فالذي يصلي فيه يؤكد أن طاعة الله واللقاء معه أغلى من الفراش.
المعرفة الكسبية والإشراقية:
و يحصل الإنسان في الليل معرفة إشراقية، وهناك معرفة كسبية ومعرفة إشراقية، فنجد الإنسان أحيانًا يقول: لمع في فكري وعقلت هذه الحقيقة وتشبثت بها، و ينبغي على الإنسان أن يكون أثناء الصلاة هكذا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما ورد عنه:
"ليس للرجل من صلاته إلا ما عقل منها".
وحينما قال الله عز وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}
(سورة النساء43)
فأنت في الصلاة تعلم ما تقرأ، فالذي ينشأ في صلاة الليل غير الذي ينشأ في صلاة النهار.