أيها الأخوة ... إن أكثر الناس يقضون أوقاتهم في الشواغل التافهة، رغم أن الإنسان هو المخلوق الأول الذي خلقه الله لجنة عرضها السماوات والأرض، كما أنه خلقه ليعرفه ويقبل عليه، وهو المخلوق الأول الذي سخر له ما في السماوات والأرض، لكنه مشغول بتوافه الحياة و سفاسفها، و مشغول بالأمور التي تفعلها كل الكائنات بلا فضل ولا أجر ولا شكر، فالإنسان لا يليق به أن تستهلكه الحياة كما هو حال الناس اليوم، فالإنسان الآن مستهلك، و قوائم الأعمال التي يكتبها على دفتره لا تنتهي.
قلت مرة لأحد الأشخاص: لو ذهبنا إلى مقبرة واطلعنا على أحوال هؤلاء الموتى جميعًا لوجدنا أن كل واحد منهم قد مات وعليه قوائم من الإنجازات التي لم يفعلها بعد، فهذه المشاغل لا تنتهي، و لا بدّ أن تقتطع من وقتك الثمين وقتًا لمعرفة الله والاتصال به والإقبال عليه و التفكر في ملكوته، وإلا لن تستطيع أن تؤثر في نفسك، لأن المهزوم أمام نفسه إنسان ضعيف تافه، و المهزوم أمام شهواته و رغباته و نزواته و مصالحه إنسان لا يستطيع أن يحرك ساكنًا، فأنى له أن يحدث في الناس التغيير.
النبي عليه الصلاة والسلام هو بشر من بني البشر وقد عاش ثلاثًا وستين عامًا .. فما هو أثره بعد هذه الحياة؟ لقد تعرفت أمم لا تعدّ ولا تحصى إلى الله و أقبلت عليه و سعدت بقربه و اصطلحت معه بسببه عليه السلام، لذلك أقسم الله جل جلاله بعمره الثمين فقال:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
(سورة الحجر)
كأن الله سبحانه وتعالى قد أعدّ النبي عليه الصلاة والسلام من أجل أن يتحمل عبء هذه الرسالة العظيمة الخالدة، يقول عليه الصلاة والسلام: