استوقد وزن استفعل في اللغة وزنٌ يعني الطَلَب؛ طلب النار، طلب النار لتضيء له حياته، أي طلب المال، طلب العز، طلب المكانة العلّية، طلب الجمال، طلب البيت المريح، طلب المركبة، هذه طلباته.
{اسْتَوْقَدَ نَارًا (17) }
من أجل أن تنير له، فبعد جهدٍ جهيد، وعمرٍ مديد، وعملٍ مضنٍ، تألقت النار وأضاءت له ما حوله، جاء ملك الموت فجأةً وأخذ منه كل هذا الجهد، وكل هذه المكتسبات، هذا حال المنافقين، ليس لهم في الآخرة رصيد، كل رصيدهم في الدنيا، كل البيض في سلةٍ واحدة، فإذا أُخذت منه هذه السلة فقد كل شيء، ليس للمنافق مستقبل أبدًا، له حاضر قد يكون رائعًا جدًا.
أمثلة عن أناس فاجأهم الموت وهم في أوج تألقهم:
قال تعالى:
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ (4) }
(سورة المنافقون)
ماله وفير، مكانته عَلِيَّة، ولكن ليس له مستقبل، كل ما عنده من مال، كل ما عنده من وجاهة، كل ما عنده من مكانة، كل ما عنده من أساليب يستمتع بها بمباهج الحياة الدنيا منوطةٌ بقطرِ شريانه التاجي، منوطةٌ بسيولة دمه، منوطةٌ بنمو خلاياه فإذا اضطرب نمو خلاياه فقد كل شيء وإذا ضاق شريانه التاجي فقد كل شيء، وإذا تَجَمَّد دمه في مكانٍ ما فقد كل شيء.
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا (17) }
يسعى ويعمل ويسهر ويُسافر ويؤسس ولا ينام الليل ويخاصم من أجل الدنيا فقط، من أجل المال، من أجل المكانة، فإذا أضاءت ما حوله، أي بدأ يقطف ثمار عمله فاجأه الموت في أحرج الأوقات، بل في أوج تألُّقه، في أوج استمتاعه بالدنيا، فاجأه الموت بعد أن انتهى من إنشاء العمارة، بعد أن انتهى من تحصيل هذه الشهادة، بعد أيامٍ من زواجه، بعد سنواتٍ من تألُّقِه، وهناك آلاف الأمثلة، سعى إنسان في بناء بيتٍ سنواتٍ طويلة، فلما انتهى البيت فاجأه الموت بعد أيام.