أيها الإخوة .. إن القضية بسيطة جدًا، فإذا دخلت إلى دائرة كبيرة فيها ألف موظف وكانت مشكلتك لا تُحَل إلا مع مدير هذه الدائرة، فلا يمكن لأي إنسان عاقل أن يبذل ماء وجهه لغير مدير الدائرة العام، لأن هذا مضيعةٌ للوقت، ففيه جهدٌ ضائع وعملٌ أخرق، وطريقٌ مسدود، فإذا دعا الإنسان غير الله كان الطريق أمامه مسدودًا، لأن هذا الذي تدعوه ضعيفٌ مثلك، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فهو لا يملك لك نفعًا ولا ضرًا من باب أولى، لأنه لا يملك لنفسه، فهو ضعيف عاجز، و وجوده غير ذاتي، بل إن وجوده كان بسبب إمداد الله له، فلو أن الله قطع عنه الإمداد ثانيةً لأصبح جثةً هامدة، فكيف تعلِّق الآمال على إنسان يستمد وجوده من غيره، أما الله جلَّ جلاله فهو واحدٌ أحد فردٌ صمد، ووجوده ذاتي، و لا يتعلَّق على وجود غيره، أما البشر فكل مكتسباتهم متعلقة ببقائهم أحياء، فهي متعلقة بنبض قلوبهم، و سيولة دمائهم، و سلامة أعضائهم، وعقولهم التي في رؤوسهم، فالإنسان يستمد وجوده من عوامل كثيرة جدًا، فإذا تعطَّل أي عاملٍ أُلْغِيَ وجوده، لذلك قال تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي}
(سورة الجن: آية"20")
إن التوحيد نهاية العلم، وكلما تعمَّق إيمانك ازداد توحيدك، وكلما ازداد توحيدك ازداد إخلاصك، فعليك أن توقن أن أحدًا -غير الله-لن ينفعك ولن يضُرَّك، وأن الإنسان إذا ابتغى أمرًا بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، وأنه إذا عبد غير الله عزَّ وجل كان الله له بالمرصاد، فلا بدَّ من أن يخَيِّب ظنه و يحبط عمله، و يريه هذا الشريك الضعيف اللئيم.
الإيمان الحقيقي:
أيها الإخوة ... إن بطولتنا لا تكون في أن نُقِر أن الله خالق السماوات والأرض، ولكن بطولتنا في الإيمان أن نوقن أن الله بيده كلُّ شيء، و أنْ ليس في الكون إلا الله، و هذا هو التوحيد.
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي}