يمشون هونًا؛ أي: لا يسمحون للدنيا أن تستهلكهم، فهم يقتطعون من أوقاتهم وقتًا لمعرفة الله و لطلب العلم وأداء العبادات، فهم يمشون هونًا لأن الدنيا لا تستهلكهم، ولا تستحوذ عليهم، و لا تجعلهم ينسون كلَّ شيء، فإن من تشعَّبت به الهموم لم يبال الله بأي أوديتها هلك، أما من كان همُّه معرفة الله و جعل همه همًا واحدًا كفاه الله الهموم كلّها، فاعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الهموم كلها، فإنك عندما تأتي إلى بيت الله لتطلب العلّم و القرب من الله عزَّ وجل فإن الله عز وجل يعاملك معاملةً خاصة عندئذ، فيعاملك بالنصر والتأييد والحفظ والتوفيق، إذًا:
{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ}
(سورة الجن: آية"1")
وقل أوحي إليَّ أيضًا ...
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}
أي: إن هذا المسجد إنما بُنِي لتعريف الناس بالله و تعريفهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الكون، فيقرِّبهم إلى الله عزَّ وجل.
فاستخدام هذا المكان للبيع والشراء و قضايا الدنيا و حل مشكلات الناس المادية هو استخفافٌ بهذا البيت المقدس.
معاني كلمة (مسجد) :
قال تعالى:
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}
1 -المعنى الأول: (وهو أوسع معنى) :
إن كلمة مساجد واسعةٌ جدًا، فكل مكانٍ سجدت فيه لله عزَّ وجل هو مسجد، فإذا وسعنا كلمة المسجد صار معنى المسجد: كل مكان سجدت لله عزَّ وجل، فالمسجد اسم مكان، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:"أينما كنتم فصلوا، فأينما صليتم فهو مسجد"فبهذا المعنى وجب عليك أن تكون خالصًا لله في كل مكان، و هذا أوسع معنى للآية.
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
(سورة الجن: آية"18")
أي: ليكن عملك دائمًا وأبدًا، خالصًا لله عزَّ وجل، قال تعالى:
{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}