فهؤلاء المخلوقات ليسوا كالحيوانات، ولا كالملائكة، ولا كالبشر، فالحيوانات نفوسٌ سبعيةٌ بهيميةٌ قليلة الإدراك، والملائكة نفوسٌ صافيةٌ مجردةٌ لطيفةٌ متصلّة بالعالم العلوي، أما عالم الإنس فهو نفوسٌ إنسانيةٌ لها استعداداتها الكبيرة جدًا، فهؤلاء المخلوقات هم لا من هؤلاء ولا من هؤلاء ولا ومن هؤلاء، فقد غلبت عليها الصفات الهوائية أو النارية أو الدُخانية و هم من طبيعةٍ ناريةٍ ودُخانية على اختلاف أحوالها، كما أن لهم علومٌ وإدراكاتٌ من جنس علومنا وإدراكاتنا، ولما كانت قريبةٌ بالطبع إلى الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقى من عالمه بعض الغيب، فقد تلقت من قبل بعض الحقائق التي استرقتها من الملائكة، فلا يستبعد أن ترتقي إلى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة، ثم تنزل إلى الأرض ومعها من بعض من أوامر الملائكة، ولأنها مخلوقات أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية فقد تأثَّرت بهذه القوى، فرُجِمَت ومُنعت عن بلوغ مرادها، وإدراك مداها من العلوم.
لقد كانت هذه لمحة عن حقيقة الجن، فهم مخلوقاتٌ ليسوا كالبشر في استعداداتهم العالية وفي الجمع بين النفخة الروحية والبضعة الأرضية، ولا هم كالملائكة في أجسامها النورانية المتصلّة بالعالم السماوي، ولا كالحيوانات البهيمية السبعية ذات الإدراك القليل، بل هم بين هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.
النبي صلى الله عليه وسلم لم تعلمه الجن:
أيها الإخوة، قال تعالى:
{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا}