أيها الإخوة الكرام ... إيَّاكم أن تتوهموا أن حظوظ الدنيا التي يتكرَّم الله بها على الإنسان نِعَم، لكنها ابتلاءات حيادية، فهي ليست نعمًا ولا نِقَمًَا ولكنها ابتلاء، فإذا وظِّفتها في الحق انقلبت إلى نِعَم، أما إذا وظِّفَتها في الباطل انقلبت إلى نِقَمْ، فالمال مثلًا سُلَّمٌ ترقى به أو دركاتٌ تهوي بها، والقوة سلمٌ ترقى به أو دركاتٌ تهوي بها، والعلم إما أن يقودك إلى الله فتسعد بقربه، وإما أن يقودك إلى الكبر والاستعلاء والاعتداد بالنفس فيكون دركات يهوي بها إلى النار، فكل حظوظ الدنيا ليست نعمًا ولا نِقَمًَا إنما هي ابتلاءات حياديةٌ موقوفة على نوع استخدامها ..
{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *}
خلق الإنسان:
مالكم لا ترجون رحمته ببذل حظوظكم في سبيله، ومالكم لا تخافون عذابه باتقاء معصيته، والدليل:
{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}
إن الأشياء المألوفة -أيها الإخوة- قد تُفرَّغُ من مضمونها، فهذا الطفل الذي بين يديك ابنك، وأنت تعلم بالضبط كيف تم خلقه؛ من نقطةٍ من ماء دخلت إلى بويضة لَقَّحتها فانقسمت فزرعت في الرحم، إلى أن أصبحت جنينًا له دماغٌ وأجهزةٌ؛ من جهاز هضمٍ، وجهاز دورانٍ، وجهاز إفرازٍ، وجهازٍ تنفسٍ، وعضلات، وأعصاب، وغدد صمَّاء وغير صماء، ثم يخرج هذا الطفل إلى حيِّز الدنيا، فينمو شيئًا فشيئًا، وتنمو مداركه و عضلاته، وعظامه ليصبح إنسانًا سويًا ..
{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}
التفكر جزء من الدين: