فهرس الكتاب

الصفحة 19900 من 22028

{كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}

2 -وهناك معنى آخر يقول: إن أي شيءٍ بين يديك تتمتع به _ كالصحة مثلًا_هو ليس نعمةٌ ولا نقمةٌ، بل هو امتحان، فإذا أنفقت هذه الصحة في طاعة الله انقلبت إلى نعمة، وإذا أنفقتها في معصية الله انقلبت إلى نقمة، فالمالٌ الوفير مثلًا هل هو نعمةٌ أم نقمةٌ؟ ليس هذا ولا ذاك، بل هو مادة امتحان، فإن أنفقت هذا المال في طاعة الله كان سُلَّمًا ترقى به، وإن أنفقته في معصية الله كان دركاتٍ تهوي بها، والزوجة ليست نعمة ولا نقمة، إنها امتحان، فإن أخذت بيدها إلى الله ورسوله والدار الآخرة كانت نعمةٌ من أَجَلَّ النعم، أما إذا أفسدتها وأفسدت بها الآخرين كانت نقمةً من أعظم النقم، والأولاد كذلك هل هم نعمةٌ أم نقمة؟ إذا نَشَّأْتَهُم على طاعة الله كانوا لك نعمةً وكانوا لك صدقةً جارية، وإن تركتهم وشأنهم فلم تؤدبهم ولم تعلمهم كانوا نقمةً عليك، و كل أعمالهم الخسيسة ستكون مكتوبة في صحيفة والدهم الذي لم يعتن بهم، فمعنى ذلك أن كل حظوظ الدنيا ليست نعمًا ولا نقمًا إنما هي ابتلاء، فإذا أُنفقت في طاعة الله كانت نِعَمَا ً، وإن لم تنفق في طاعة الله كانت نِقَمًَا ويؤكِّد ذلك قول الله عزّ وجل:

{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ¯ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ¯ كَلَّا}

(سورة الفجر)

كلا: أداة ردعٍ ونفيٍّ؛ أي: كلا ليس عطائي إكرامًا ولا منعي حرمانًا، فعطائي ابتلاء وحرماني دواء، و من السذاجة وضيق الأفق والغباء أن يتوهَّم الإنسان أن المال الذي بين يديه نعمةٌ عُظمى، إنما هو نعمةٌ إذا أنفقته في طاعة الله، أما إذا أنفقته على المعاصي والآثام كان نقمةً وأية نقمة، و قس عليه الزوجة والأولاد والصحة وطلاقة اللسان، والقدرات العقلية، والاختصاص والمهن الراقية، فكل هذه الحظوظ ليست نعمًا وليست نقمًا، إنما هي سُلَّمٌ ترقى به إن أنفقتها في طاعة الله، أو دركاتٌ تهوي بها إن أنفقتها في معصية الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت