أيها الإخوة الكرام ... الإسلام منهج الله عزَّ وجل (منهج السماء) وهو منهجٌ رباني، لا يمكن أن يلتقي مع الجاهلية في منتصف الطريق، والأصح من هذا أنه لا يمكن أن يلتقي معها في طريق، لأن الإسلام في وادٍ، والجاهلية في وادٍ آخر، وإن منطلق المسلم هو طاعة الله عزَّ وجل و العمل للآخرة وأن يضع كل شهواته تحت قدمه، فيصبح التِبْرَ عنده كالتُراب، فطاعة الله عنده هي كل شيء، أما غير المسلم فمنطلقه المال، فالدنيا عنده هي كل شيء، فيفعل ما يشاء من أجل أن يصل إلى هدفه، و الغاية عنده تبرر الواسطة، لذلك لم يكن من الممكن أن يلتقي الإسلام مع الجاهلية؛ و تتساوى في ذلك الجاهلية القديمة ... والجاهلية المعاصرة وجاهلية الغد، فلا يمكن لأحدها أن يلتقي مع الإسلام في منتصف الطريق، بل إنه لا يمكن أن يجمع بينهما طريق، فهذا في وادٍ، وهذا في واد.
فهذا الحائط مثلًا فيه لونٌ أسود ولونٌ سُكَّري فهما إذًا يجتمعان، و يمكن أن نقول: هذان اللونان متعاكسان، إلا أن الظلام والنور متناقضان، بمعنى أن أحدهما ينفي وجود الآخر، فإذا حل النور فلا ظلام، وإذا كان الظلام فلا ضياء، فيجب أن نعتقد أن منهج الله عزَّ وجل متميِّز، فهو منهج خالق الكون، فله خصائص علوية و له أهدافٌ رَبَّانية و له وسائل شريفة، فلا يمكن أن يلتقي منهج الله مع منهج البشر، فكلاهما ينطلق من منطلق، وكلاهما يتَّجه إلى هدف، و هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ • لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ • وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ • وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ •وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ • لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}
(سورة الكافرون)
ثلاث صور تجسد هذه الآية:
أيها الإخوة ... أضع بين أيديكم ثلاث صورٍ من سيرةٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم تجسِّد هذه الآية.
{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}