وبالمقابل فلو أن الإنسان تفوَّق في علمٍ شرعي ولم يكن ذا خلقٍ حسن فإنه لا يرقى عند الله على الرغم من أنه أتقن علمًا من علوم الشريعة و تفوق فيه حتى أصبح مرجعًا، فإن لم يكن ذا خلُقٍ عظيم فإنه لا يرقى عند الله عزَّ وجل.
فعندما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن حقيقة الإسلام قال سيدنا جعفر:"كنَّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل المتيتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم حتى بعث الله فينا رجلًا نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء".
فالإسلام ذو مضمونٍ أخلاقي، بل إن أحد العلماء الكبار يقول:"الإيمان حُسنُ الخلق فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان". والخُلُق هو ضبط للذَّات، وقد وصف النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الإيمان في بعض الأحاديث الجامعة المانعة التي فقال:"الإيمان الصبر والسماحة".
فذكر الصبر، و معنى هذا أنك في دار التكلّيف، والتكاليف كلّها في الأصل تتناقض مع الطبع وتتوافق مع الفطرة، وهذا كلام دقيق، فالطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وأوضح مثل على ذلك أنه عندما ينام الإنسان الساعة الثانية ليلًا ويستمع إلى أذان الفجر في الساعة الرابعة يكون أمامه فراشٌ وثير، ونومٌ لذيذ، لكن المنادي يناديه لصلاة الفجر، فلو أن الإنسان استجاب لنداء جسده وبقي نائمًا واستيقظ الساعة التاسعة، لشعر بانقباضٍ شديد. وسبب هذا الانقباض أن جسده مُرتاح لكن التكليف الذي تركه أزعج نفسه، أما حينما يزعج جسده ويستيقظ ويصلي ثم ينام فإن نفسه ترتاح، إذًا فالتكاليف تتناقض مع الطبع، والطبع مرتبط بالجسم، والتكاليف تتوافق مع الفطرة، والفطرة مرتبطة بالنفس.